في الانتظار يصيبني هوس برصد الاحتمالات الكثيرة…هكذا قال محمود درويش ذات انتظار أو ذات قصيدة. وقبله بزمن طويل قالها الحلاج وامرؤ القيس وابن الفارض وجميل بثينة وكثير عزة…كل الشعراء العرب عانوا من الانتظار. انتظار المحبوب لذاته أو انتظار جوده بالوصال وقد يتعلق أمر الانتظار بالخلاص والنهاية كما في شعر السياب الذي امتزج عنده الانتظار بالقلق والاغتراب الوجودي، كما في أنشودة المطر، حيث انتظار المطر هو انتظار الخصب والخلاص من الموت والجفاف.
إنه ليس حالةً عابرة في حياتنا، بل هو تجربة وجودية كبرى تتخلل تفاصيل يومياتنا. فمنذ الطفولة إلى الشيخوخة، نعيش ا أشكالًا متعددة من الانتظار: انتظار العودة من سفر، انتظار كلمة حب، انتظار خبر مفرح، أو حتى انتظار نهاية الألم انتظار مكالمة. ربما لأنني انتظر مكالمة تنهي معاناتي مع “انتظار ما” هو سبب انتباهي لهذا الموضوع . لهذا الأسباب وغيرها كثر طبعا، ظل الانتظار مادة خصبة للأدب والفلسفة والفنون، لأنه يكشف عن علاقة الإنسان بالزمن، بالغياب، وبالأمل..
فعادةً ما يوصف الانتظار بأنه “مرّ”، لكن الحقيقة أنه أكثر من ذلك: إنه نار داخلية تلتهم الطمأنينة ببطء، وتحوّل مرور الوقت إلى اختبارٍ صعب. لذلك يقال عن المنتظِر إنه يعيش “حرقة الانتظار”، أي لهيبًا لا يراه الآخرون ولكنه يحرقه من الداخل.
الانتظار جرح زمني يفقد الزمن خلاله طبيعته العادية. فالدقائق التي تمر بسرعة في لحظات الفرح، تتحول إلى ساعات ثقيلة عندما ننتظر شيئًا مجهول المصير. هنا يصبح الزمن عدوًا خفيًا، يتآمر مع الغياب ويضاعف قسوته. لقد عبّر الأديب الفرنسي مارسيل بروست عن هذه المفارقة حين تحدث عن “الزمن المفقود”، حيث يصبح الانتظار نوعًا من التيه داخل اللحظة، لا عودة فيه إلى الوراء ولا اندفاع فيه إلى الأمام. كذلك في التجارب الصوفية، يُنظر إلى الانتظار بوصفه امتحانًا للروح: انتظار الفرج، انتظار كشف الغطاء، انتظار اللقاء بالمطلق. من زاوية أخرى ليس الانتظار مجرد صبر سلبي، بل هو امتحان داخلي يقيس قدرة الإنسان على مواجهة القلق والتوجس. هناك من يذوب في صمته، فيتحول الانتظار عنده إلى استسلام وهناك من يجعل منه فرصة لإعادة اكتشاف ذاته، فيحوّل لحظات الترقب إلى مساحة للتأمل والنضج. في رواية “في انتظار غودو” لصمويل بكيت، يتجسد الانتظار في شكله العبثي: شخصيات واقفة تنتظر من لا يأتي أبدًا. لكن رغم العبث، فإن المسرحية تكشف أن الانتظار يمنح معنى للوجود، حتى لو كان ذلك المعنى هشًا أو وهميًا. إن ما يجعل الانتظار مختلفًا عن باقي التجارب الإنسانية هو أنه يحمل دائمًا وجهين متناقضين:
الأمل واليأس.
فالأمل هو ما يجعل الإنسان قادرًا على الوقوف عند العتبة، مؤمنًا بأن الغائب قد يعود في أي لحظة. أما اليأس هو ذلك الخوف الدفين من ألا يتحقق المنتظر أبدًا، وأن يكون الانتظار مجرّد إهدار للزمن. إن هذه الثنائية نجدها واضحة في الشعر العربي القديم فلو ألقينا اطلالة سريعة على هذا التراث الكبير لوجدنا ابياتا غاية في الروعة عن الانتظار.
البدوي ينتظر قافلة الحبيب، يتأمل الأفق، يصف الريح والرمال، ويزرع في شعره لهفة وألمًا لا ينتهيان. وفي الشعر الحديث، نقرأ عند نزار قباني أو محمود درويش حضورًا قويًا لفكرة الانتظار، سواء كان انتظارًا للحب، أو للحرية، أو للوطن المفقود.
لقد عبثت التكنولوجيا بمشاعرنا وصار الانتظار أشبه بلحظة تعذيب. لم تعد لنا قدرة ولا طاقة للانتظار. إلى زمن قريب كانت العلاقات الإنسانية قادرة على تحويل لحظات الانتظار الى لغة شاعرية تشكل مادة خصبة لبسط المشاعر والتعبير عنها بلغة جميلة. قد ينتظر عاشق جوابا من محبوبته لأيام بل شهور أما اليوم فلا يستطيع أشباه العشاق الصبر لثوان وتلك حكاية أخرى ليس موضع الخوض فيها الان.
من زاوية أخرى ليست تجربة الانتظار فردية فقط، بل هي أيضًا جماعية. الشعوب تنتظر وعود الإصلاح، تنتظر السلام، تنتظر العدالة. في هذه الحالة يتحول الانتظار إلى ذاكرة جماعية مشحونة بالخيبات، أو إلى طاقة مقاومة وصمود. فالشعب الفلسطيني الابي البطل له تاريخ مع فكرة الانتظار فالمهجرين والنازحين منه يعيشون “انتظار العودة” ومن هم في تحت القصف الصهيوني ينتظرون نهاية الحرب والجوعى ينتظرون غداء والمرضى ينتظرون دواء. لا يتعلق الامر بانتظار واحد أو مفرد. فلسطين تراجيديا الانتظارات، إنه انتظار طويل مؤلم، يكاد يقتل الأمل ويغذي شجرة اليأس التي صارت غابة في صحراء الوطن العربي. ليست فلسطين وحدها من تنتظر كل الوطن العربي يعيش حالة انتظار. في المغرب وغيره من بلدان العالم العربي، نلمس في الخطاب الاجتماعي والسياسي حضور فكرة الانتظار: انتظار الوعود الحكومية، انتظار إصلاحات لم تكتمل، انتظار غدٍ أفضل
إن الانتظار جزء أصيل من الكينونة الإنسانية. فمارتن هايدغر الفيلسوف الألماني يرى أن الوجود الإنساني مشدود دومًا نحو “المستقبل”، أي نحو ما لم يأتِ بعد ما يجعلنا نعيش أيضًا في أفق ما ننتظره. وليس فقط اللحظة الحاضرة، أما الفيلسوف الفرنسي غابرييل مارسيل فقد جعل من الانتظار لحظة روحية، إذ يرى أن الانتظار الحقيقي هو ذاك الذي يرتبط بالثقة والرجاء، لا بمجرد الترقب السلبي. الانتظار هنا يصبح فعل إيمان: إيمان بالآخر، وبإمكانية اللقاء، وبالمستقبل نفسه.
في الروايات، كثيرًا ما نجد شخصيات أسيرة انتظار طويل: امرأة تنتظر عودة زوجها من الحرب، أو شاب ينتظر رسالة حب، أو عائلة تنتظر خبرًا عن مفقود. في السينما، تُستعمل لحظات الانتظار لخلق توتر درامي عميق. أفلام المخرج الإيراني عباس كياروستامي مثلًا تبرع في تصوير الانتظار بوصفه لحظة شعرية. في الموسيقى، نجد الألحان الحزينة غالبًا مرتبطة بفكرة الترقب والغياب، حيث يمتزج صوت العود أو الكمان بحرقة اللحظة.
لكن ورغم قسوته، قد يتحول الانتظار إلى قوة خلاقة. فكم من قصيدة وُلدت من لهفة الانتظار، وكم من لوحة أو لحن كان ثمرة ساعات طويلة من الترقب. الانتظار يمنح الخيال مجالًا واسعًا للتحليق، لأنه يضع الإنسان أمام فراغ يجب أن يملأه بالصور والأحلام. وهنا تكمن المفارقة: الانتظار الذي يبدو عقيمًا قد يصبح مولّدًا للإبداع. فالإنسان حين لا يملك التحكم في الزمن الخارجي، يبحث عن معنى داخلي يخفف حرقة اللحظة.
حرقة الانتظار إذن ليست مجرد شعور عابر، بل هي تجربة إنسانية كبرى تكشف علاقة الإنسان بالزمن، بالغياب، وبالمستقبل. إنها نار داخلية تحرق وتُنضج في الوقت نفسه، تُربك وتمنح معنى، تضعنا على حافة اليأس، لكنها تفتح لنا أيضًا باب الأمل.
نحن كائنات تنتظر، وفي هذا الانتظار تكمن إنسانيتنا: بين حرقة اللحظة وبريق الأفق، بين الغياب والحضور، بين الوجع والرجاء. وربما يكون سرّ الحياة كلها في هذا التوتر الخفي: أن ننتظر، وأن نحترق، وأن نؤمن رغم كل شيء بأن الغائب سيأتي.