ذيل الطاووس
لا أستورد حلمي من التجارب الخارجية. بل فقط من رصيد محلي اعترفَ الشرقُ والغربُ بجماليته للمغرب. أرضا وشعبا وثقافة ومؤسسات.
وإضفاء سحر الحلم على المغرب ليس من باب العصبية الوطنية. بل مسؤولية يتحملها شعوب الأرض كل في موقع انتمائه، ليتقلص ما في عالم اليوم من قبح فظيع.
***
اعترف الغرب بجمال المغرب، برمزية وضعها مولييراس، عتبة في الصفحة الأولى لكتابه حول المغرب نهاية القرن التاسع عشر. تحت عبارة= “الأرض طاووس، والمغرب ذيله”. يختص مولييراس بموقفه من المجتمع المغربي إبانه، كون أقلام الغرب التي تصف المغاربة بكل ما أوتيت من أوصاف التخلف بل التوحش، يكفي أن يكون المجتمع المغربي، في أعلى مدشر من الجبال، له مؤسسة المسيد التي تجعل الطفل المغربي، وهو المنقطع تماما عن حضارة الغرب، له مؤسسات تعليمية، وتقاليد مجتمعية، تدعو الطفل إلى تعلم القراءة والكتابة، ومن خلال التعلم تترسخ في ذهنه منظومة قيم، حيث قيمة الزمن ونظافة الجسم والمعاملات بين الناس من مختلف الزاويا، والحث على العمل….
ثم يحكي مولييراس عن الطالب محمد بن الطيب الذي خرج من مدشر شرق الجزائر، قاصدا فاس لطلب العلم، وصف مولييراس تقاليد المنطقة (شمال افريقيا) وقد تمسكوا برعاية أحوال ابن السبيل (المسافر) عندما يحمل اللوح ويتنقل بين الدواوير، كيف يتقاسم السكان مع طالب العلم ما مأكلهم ومشربهم، احتراما للعلم الذي ينظم مجتمعهم، تربية وأسرة وإرثا… ولا ينس الكاتب الفرنسي أن يعترف بالجميل للطالب الجزائري كونه هو من حكى له عن أحوال المغرب، ثم يذكر حتالة الرحالة الأوربيين الذين يجهلون لغة المغاربة، بينما تضم العربية أزيد من 12 مليون كلمة.
***
أما اعتراف الشرق بجمال المغرب من الناحية الطبيعية والبشرية والثقافية، فيشرق المؤرخ عبد الوهاب بن منصور، سياق الجملة التي قيلت عن المغرب “الأرض طاووس والمغرب ذيله”، عندما كان علماء المغرب، يطبقون حكمة “حج وحاجة”، فيزورون مكة والمدينة، ثم يعرجون على الجوامع حيث يشتهر أطباء وعلماء وفلاسفة وفقهاء المشرق في العراق والشام وفارس ومصر… وذات مرة، أراد أحد أمراء المشرق في القرون الغابرة، أن يتفكّه أمام العلماء بتغليب المشرق على المغرب في ميزان العلوم والثقافة، فاتجه إلى مجلسه وتساءل: يروج في أوساط العلماء أن الأرض طائر رأسه الحجاز وجناحه الأيمن اليمن وجناحه الأيسر العراق وذيله المغرب. أسأل بينكم علماء المغرب ما رأيهم في هذا القول؟ استأذن عالم من المغرب للجواب فأذِن له، فأوضح بعد عبارات التوقير والاحترام أن ذاك القول صحيح وأن نوع الطائر طاووس وأن المغرب فعلا ذيل الطائر. انتهى الكلام. هههه
***
يظهر أن لا أحد منَّ على المغاربة بتوصيف جميل، سوى عندما نطق العالم المغربي لكشف السخرية المشرقية وكان له حضور البديهة ليجعل من السخرية مقلبا يقدم من خلالها الدليل على ذكاء المغاربة مرفوقة بالتأدب وحسن التصرف.
وذات يوم، زارعالم الجيولوجيا الفرنسي، لويس جانتي، بلاد سوس يستكشف التربة ويجمع العينات ليضعها في المختبر ويستخرج منها الخريطة الجيولوجية المغربية قبيل الاستعمار. وصرح في تقرير سلمه للبعثة العلمية الفرنسية ضمنه تكذيب تقولات الرحالة الفرنسيين الذين كانوا يكيلون للمغاربة كل أوصاف التوحش وسوء المعاملة. فاعتبر المغاربة متأدبين مضيافين إذا تصرف الغريب معهم باحترام. نعم يخبرون شيخ المخزن بوجود غريب ولكنهم بعد ذلك لا يبخلون بالحديث والمشاركة في توصيف تضاريس وجغرافية بلادهم. وهو بذلك يؤكد ثقة المغاربة في أنفسهم وفي مؤسساتهم، على عكس ما كان جواسيس الاستعمار يشيعونه من أكاذيب لبناء معادلة “بلاد المخزن وبلاد السيبة”.