صناعة حلم (2)

أحمد الخمسي
طرد الكوابيس على شاكلة:
“اقتلوهم جميعا”
عندما يمر العالم بانقلاب لا مثيل له، فالذين يوجدون في وسط لجة الانقلاب لا يشعرون بذلك. لأن راحة النفس تعودهم على العملة ذات الوجهين: وجه التعود على التفاؤل بلا تشويش، ووجه التعود على الانزعاج الدائم ورفض كل شيء.
فمن جانب أصبحت الصلاة قناعا للحياة اليومية المضطربة القناعات، وأصبح قناع البرقع الذي يحاول إخفاء كل الأفكار والمشاعر بل والممارسات، تهدئة للخواطر. وإذا كان التدين نافذة نور لطرد كوابيس الظلام، لا بأس.
ومن جانب ثانٍ أصبحت التكنولوجيا هي الحلم النهائي، ومفتاح كل المشاكل. يكفي تتبع تطبيقات الذكاء الصناعي لتحصل على كل الحلول. بهذه الكيفية تحبل التكنولوجيا بوهْمٍ وليست حلما نهائيا، نهائيا.
من جانب أصبح الكذب على الايمان يتستر تحت القناع الأخير من التدين. مقابل التسلل السري داخل العالم المظلم بكل تطرفاته.
من جانب ثانِ لا بأس إن أُهمِلَ الانسانُ وهو يباد يوميا تحت أنقاض ملاجئ الأسمنت أو حتى على الهواء تحت الخيام، فلعلّ الحل التكنولوجي آت ليهدأ العالم دونما حاجة إلى هموم ولا تضامن ولا قول لا.
*
هل هذا المسخ وليد اليوم؟
يذكرنا أمين معلوف في كتابه الجيد، “مقعد على ضفاف السين” حول الأكاديمية الفرنسية، أن عضوا فرنسيا مثقفا من “الطراز العالي” في أكثر المؤسسات الأوربية “عراقة” و”سموا”، يتحدث معلوف عن الشخص الثاني الذي احتل المقعد رقم 29 حيث يوجد اليوم هو، اسمه نيكولا بوربون.
نعتقد اليوم أن كل “كبار” المثقفين الفرنسيين، من صنف أعضاء الأكاديمية تشبعوا بأنبل المشاعر وأعظم الأفكار وبالقيم الإنسانية الخالدة. لكن مشاعر عضو الأكاديمية الفرنسية، ينظم قصيدة للاحتجاج على اغتيال هنري الرابع سنة 1610، إذ تقول الأبيات الشعرية للمثقف الفرنسي “العظيم”:
“فليسفح الزيت المحمَّى على الرصاص المذوّب
“على جسدك المفسوخ سفحا وئبداً
“ولتجرك أربعة جياد بلا شفقة جرّاً حثيثا
“وتقطع، أيّها الأرعن، أوصالك البغيضة تقطيعا
“فليجرِّ الشعب مستنكرا في الشوارع
“عظامك المضرَّجة وفخدك الممزق تمزيقا            (ص 33 من كتاب أمين معلوف)
*
    وعندما نعود لأنفسنا، نجد تحليلا فرنسيا لكتاب “وصف افريقيا” للحسن بن الوزان. فنجد ترجمته لست لغات أوربية (اللاتينية، الايطالية، الألمانية، الهولندية، الفرنسية، الإنجليزية) بهدف تحويل مضمون الكتاب الى خرائط وفقا للمنهجية التي تركها الشريف الادريسي في صقلية. ولا نجد ترجمته إلى الاسبانية ولا البرتغالية. ويرجع الأمر إلى الحقد المستشري بين النخبة الكنسية في شبه الجزيرة الايبيرية، بحيث أقدم كبير الرهبان الكاثوليك على إحراق أكثر من5400 مخطوط عربي، بل أصبح كل من يحتفظ بمخطوط عربي طيلة القرن 16، مآله الحكم بالإعدام حرقا. علما أن تلك المخطوطات منها ما كان حول الرياضيات أو الفلك أو الطب. كما أغلق فيليبي الثاني حوالي 2000 حمام عمومي لإن الإيمان من المنظور الكنسي كان يعني ترك الجسم وسخا
*
ولما نعود لأمين معلوف يخبرنا في كتاب آخر (الحروب الصليبية من وجهة نظر العرب) عمّ قرره الصليبيون، لما طال حصارهم لمعرة النعمان (شمال غرب سوريا اليوم)، وقلت مؤونة التغذية عندهم، أصدر كبير الرهبان لديهم فتوى، تقضي بالصبر ريثما يدخلوا القلعة العربية، ساعتها يمكنهم أكل لحوم قتلى المسلمين. ويتأكد أنهم قطعوا الجثامين وسلقوها في الماء وأكلوا لحم البشر. كما التهموا الجثامين الصغيرة مشوية.
*
 الحروب الصليبية، بداية القرن الثالث عشر، كان جنوب فرنسا جماعة Cathares المسيحية ترفض التثليث. فنظم الرهبان الكاثوليك حملة صليبية ضدهم. ولما رفض جيرانهم الكاثوليك المشاركة في الحرب ضدهم اعتبارا للجوار والعيش المشترك قرونا سابقة، أصدر الراهب الكاثوليكي، على أسوار المدينة فتوى (1209م) ما زالت عبارتها مشهورة: “اقتلوهم جميعا، فالرب سيعرف بينهم من هم عباده الصالحين”.
*
  وجنوب جبال البرانس، يتظاهر الكاثوليك بكبرياء أقوى، كونهم خاضوا طيلة ثمانية قرون 3700 معركة ضد المسلمين تُوِّجَت بطردهم النهائي سنة 1492.
*
ومن كل الوقائع التي سردناها هنا، يتبيّن أن أوربا عاشت تاريخها على وقع الكوابيس. ليس فقط ضد المسلمين، بل لأن فتوى القطيعة بين المسيحيين أنفسهم،  في بزنطة وروما سنة 1056م، لذلك ردت الكنيسة الرومانية بإصدار فتاوي للحث على الحرب ضد كل المشارقة، مسلمين وأورثوذكس. فانطلقت الحملة الصليبية الأولى سنة 1099، أي بعد 43 سنة على القطيعة بين مسيحيي الشرق والغرب. فزرع الصليبيون الرعب في القسطنطينية قبل أكل لحوم العرب في الشام.
لذلك، للرد على كابوس “اقتلوهم جميعا”، تقتضي المأساة الجارية حاليا بغزة، صناعة حلم الرحمة، بوحي إنساني يستلهم روح “الرحمن الرحيم”. ومراجعة كذرية لما ينقص في الوعي العربي وليس الموقف المبدئي.
ولكي لا ننخدع بإنتاجهم الكوابيس وبإنتاجنا الأحلام، يبقى الحديث عن الجزء المشرق في تاريخهم مسؤولية أخلاقية حتى لا نساهم في ترويج التعصب والكذب، وحتى نكمل ملامح الصورة وفق حقائق التاريخ كما جرت.

Comments 1

  1. عبدالله المتقي says:

    معجب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist