انهيت قبل أيام قراءة رواية “متاهات الشاطئ الأزرق” للكاتب عبد الجليل الوزاني التهامي، وهي عمل يعبر عن تحول لافت في مساره، إذ يغوص من خلالها في أعماق الذات الإنسانية المتشظية، من خلال شخصية غامضة لأستاذ وكاتب يجد نفسه وسط محاكمة غامضة لا يعرف تهمتها بدقة، في فضاء يتأرجح بين الواقع والخيال، بين السيرة الشخصية والكتابة المتخيلة.
ينطلق الكاتب من مشهد بحري ضبابي، ليغمر القارئ في عوالم من الغموض والتيه، حيث تتحول الرواية إلى رحلة داخل النفس البشرية، بكل ما تحمله من أسئلة وضياع. البطل يعيش أزمة هوية حادة، يتساءل باستمرار عن ذاته: من هو؟ كاتب؟ معلم؟ مجرم؟ أم مجرد شخص فقد ذاكرته؟ هذه الحيرة تجعل القارئ شريكا في محاولته لفهم نفسه والعالم من حوله.
اعتمد الروائي بنية سردية معقدة تقوم على تداخل الأزمنة وتعدد الأصوات، فتتعاقب الاعترافات والذكريات دون يقين، في متاهة سردية تعكس متاهة الوعي الإنساني ذاته. العنوان بدوره ليس مجرد واجهة، بل مفتاح تأويلي لفهم عالم الرواية: فـ”المتاهة” ترمز إلى ضياع الاتجاهات وفقدان المعنى، بينما “الشاطئ الأزرق” يحضر كرمز مزدوج للحرية والغرق، للصفاء والتيه أيضا.
أما اللون الأزرق، فعلى الرغم من دلالته التقليدية على السكينة والصفاء، فإنه في الرواية يتحول إلى رمز للضياع واللاواقع، وكأن البحر لم يعد فضاء للانعتاق بل مرآة لعجز الإنسان عن فهم ذاته.
الرواية لا تقدم أجوبة بقدر ما تثير أسئلة وجودية عميقة عن الهوية، والكتابة، والمعنى، لتجعل من الكتابة نفسها فعلا وجوديا يحاكم عليه البطل كما يحاكم الإنسان على بحثه عن الحقيقة. بأسلوب لغوي شاعري وشفاف، ينجح الكاتب في خلق تجربة سردية تجعل القارئ يعيش التيه ذاته، ويتأمل في مصيره كما يتأمل في النص.
في النهاية، متاهات الشاطئ الأزرق ليست مجرد قصة عن متهم يبحث عن براءته، بل رحلة في دهاليز الذات الإنسانية، وفي تناقضات الواقع والخيال، لتقدم رواية مفتوحة على تأويلات متعددة، تستحق القراءة والتأمل بعمق.
Comments 1
قراءة عميقة ومكثفة تفتح شهية القراء وتدعوهم للغوص في عوالهم الرواية بشغل وحب.
تحياتي