الغرائبية في القصة القصيرة ” مسيح القمر الأزرق ” للتونسي أشرف القرقني أنموذجا

عبد الله المتقي

تقديم :

عرفت القصة القصيرة التونسية مجموعة من التحولات منذ بداياتها إلى الآن ، وتتمثل هذه التحولات في ابتكار طرائق وأساليب جديدة في أنماط التعبير الفني المختلفة حد المغامرة وتجاوز المألوف ، ولعل المدونة القصصية ” مسيح القمر الأزرق ” الصادرة مؤخرا عن دار مسكلياني ، للكاتب أشرف القرقني المعروف شاعرا ومترجما قد استهوته القصة القصيرة ولم تصرفه بتاتا عن الاشتغال فيها ، فأصدر هذه المجموعة في حلة بديعة إخراجا وكتابة، ومن ثم ، تتميز موضوعاتها ورؤيتها وممارسة جمالية تلقيها .

تقع هذه المجموعة في 69 صفحة من القطع المتوسط ، تزين غلافها لوحة تشكيلية دالة للفنان السوريالي رونيه ماغريت ، وتشتمل على اثنتي عشرة قصة جاءت عناوينها كما يلي : ضحكة التمثال ، عود ثقاب ، في انتظار السيد الكاتب ، اليد الثانية ، غرفة الإصلاحات الشاملة ، عزيزي القمر ، النوم في الغرفة البيضاء ، في سبيل الجنة ، لا شيء ، قصة قصيرة جدا لحياة أول امرأة مجهولة في الشارع ، أنا وهو ، أكواريوم أزرق .

وبما أن المرحلة التاريخية الحساسة والملغومة والعجيبة التي يعيشها القرقني بمجموعه ، فقد تسللت الغرائبية إلى الكثير من نصوصه ، ونعني بالغرائبية “كل شيء غامض وغير مألوف، هو كل أمر عجيب قليل الوقوع، مخالف للعادات المعهودة والمشاهدات المألوفة” كما يراها الراغب الأصفهاني ، كما نعني بها تلك ” تلك الثقوب الكائنة في حبكة الواقع ، أي هذه الاختراقات التي تحققها الحكاية الغرائبية في الواقع ، لتشكل تلك الثقوب والواقع مرتكزين لبناء الحكاية الغرائبية ولا يمكن ترك أخدهما على الهامش إذا أردنا أن يصحبنا القارئ” 1

تجليات الغرابة :

إن المقبل على غلاف هذه المجموعة القصصية، يثير انتباهه لوحة الغلاف التشكيلية للفنان السوريالي البلجيكي ” رونيه ماغريت ” التي تشكل نصا بصريا ، تحيل على الحساسية الغرائبية والخارجة عن المألوف التي انكتبت بها القصص الاثنتا عشرة ، حيث إسقاط وإخفاء لوجه الرجل ذي القبعة السوداء الذي يملأ الدفة الأولى للغلاف ،وبدله تم انتقاء تفاحة خضراء مورقة ، مما يجعلنا نقف على انتقاء تشكيلي يتحدى المنطق وينتصر للواقع المتخيل واللامنطقي ، وهذا التشكيل السوريالي والغرائبي للوحة من شأنه الافشاء بنية المتن القصصي الغرائبية ، والارتباط “مع بعلاقات مناصصية paratextuelle،تحقق نوعا من الاستباق ، وتتغيا تصريف عنف رمزي يحوز سلطة لا مرئية”.2

وعليه، تتجسد هذه الغرائبية في الكثير من قصص المجموعة ، ففي القصة الأولى ” ضجك التثمتال ” ، يتعثر المتلقي بعتبة عنوانها الذي يتميز بمعان منحرفة ، إذ لا يمكن أن يضحك التمثال باعتباره جمادا ، وهذا من شأنه برمجته واصطياده لاستقبال صور لا منطقية ، وإدخاله إلى أحداث غير متداولة وعادية ، لتسرد قصة ” ضحكة التمثال” سماع السارد لضحكة تمثال المعري والسخرية في وجهه : ” داعشي منيوك ” ، ليذهب في اتجاه الأمير بعدها ليحكي له ما تفاجأ به من ضحك وشتيمة التمثال ، بل واستهدفت سخرية وسباب التمثال حتى أمير المؤمنين ، الذي يصدر أمره بمحو تلك العبارة أسقل خصر التمثال ” شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء ” ، ثم بعدها الحكم بقطع رأسه ، والأكثر منه تصويره بالكاميرا ليكون عبرة للعالمين :” لقد قال أمير المؤمنين إنه ماكا ن ينبغي أن تمر ألف سنة تقريبا حتى يقطع رأس هذا الزنديق الحبيث ” ص9

وهكذا ، تحكي قصة ” ضحك التمثال ” غبر لعبتها الغرائبية هاجسا من هواجس الذات الساردة التي مضت إلى أقاصي الغرابة لنقف على ضحك تمثال أبي العلاء المعري :” كنت أول من سمع ضحكة التمثال ، استغفرت في البداية وتعودت من الشيطان ، وفي ظني أنها مجرد أوهام تلقيها الأرواح اللعينة في سمعي ، ولكنني مررت في اليوم التالي سمعت الضحكة نفسها تفرقع من بين شفتي أبي العلاء الحجريتين ” ص7.

إنها لعبة الكتابة التي تتغيا تعرية واقع الجماعات السلفية المتزمتة والمغلقة في اغتيالها للعقل حربها ضد كل شيء ، الحياة والإنسان والمدن وصولا إلى التماثيل ، وذلك من خلال التركيز على الضحك وأبي العلاء المعري ، الضحك باعتباره تحولاً غير متوقع للأحداث وسخرية منها ، وأيضا مرآة نرى في انعكاسها صورة لكل ما هو غير سار ومعطوب ، أما استحضار المعري فرمزا للعقل وسخرية من التزمت والانغلاق .

في القصة الأخيرة ” أكواريوم أزرق ” ، تواجه المتلقي ، بعبارة ، أحداث تقوم على تقنية التحول الماسخ ، ونعني به تحول الأوكواريوم من حجمه الطبيعي إلى حجم كبير ، فقد أمسى :” كبيرا جدا إلى درجة جعلته يهدد بأن يصير الشقة بكاملها ، وفي داخله حدقت في السمكة السمكة الزرقاء التي كبرت بدورها واختفت من وجهها تلك النطرة الحزينة ، التي كانت سببا في تلطفي بها وإشفاقي عليها ” ص 66*

أمام سياق سوسيوثقافي وسيكولوجي حساس لظاهرة العالم الافتراضي و” الثورة التقنية في وسائل الاعلام ، وانتشار العالم الالكتروني السريع والانتنترنت والهواتف المحمولة ، التي أصبحت أفيون الشعوب الجديد ، في مشارق الأرض ومغاربها ” ،

بعودة الغرائبية الجديدة إلى عمق الانسان ، والى حقيقة دواخله في معاناته وقلقه وتوتره وتعريته وغربة حقيقة وجوده وتغريبته وعزلته في عالم غير آمن ” ،

وإ\ا بالرغبة تتحول

أما في قصة ” غرفة الإصلاحات الشاملة ” ، فلم يعد الفضاء مجرد تأثيث جمالي وجغرافيا تتحرك فيها الشخصيات والأحداث ، كما في القصة الواقعية ، بل أصبح مع تطور القصة وتحولاتها التجريبية ، صورة لنفسية الشخصيات ، وأضحى يتحكم حتى في التبنين الجمالي للقصص.

وعليه ، يجد المتلقي نفسه أمام مستشفى مكانا للمرض والاختناق وتعميقها والمؤدي إلى الموت ، ، كما هو حال العجوز التي تخلصت من جهاز التنفس الاصطناعي رغبة في استنشاق واستنثار نسمة طبيعية قريبا من النافذة لتختنق ، ويسقط جسدها ” وقبل أن تلفظ كلمة مرتجفة على شفتيها ، أطلقت نفسها الأخير وماتت ” ص27 ، والأكثر منه أنه مكان للاستهتار ولاسترخاص حياة الناس : ” كان الطبيب قد غادر الغرفة دون أن يسمع ما قالته الفتاة اليافعة ، ودون أن يرى الجثة الملقاة في الوسط بفمها الفاغر كأنه صفر عميق ” ص28.

وبذلك يكون فضاء المستشفى يحيل على دلالتين ، فهو فضاء واقعي أولا : مستشفى من مهامه يعني الاهتمام بصحة المواطن عبر إسعافه وتقديم كل مايؤمن استشفاءه من خدمات ، لكن حين نتأمله في القصة بعين الفاحص نجد نقيضه ، إذ يتحول إلى فضاء دال على الموت واسترخاص لحياة المرضى .

في قصته ” عزيزي القمر ” ، يبني أشرف القرقني أفقه الغرائبي من خلال استحضار مجموعة من الكتاب الذي سيرفقهم في الرحلة الفضائية السياحية التي أعلنت عليها شركة ” سبايس إكس” لمؤانسة السيد ” يوساكو مايزاوا ” المليادير الياباني :” تفاجأت على نحو لا يصدق بأن اسمي مدرج فيها ، بل إنه يرافق ثلاثي عظيم مقرب جدا إلى قلبي : هاروكي موراكامي ، وبول أوستر وباولو سورنتينو ” .

وخلال هذه الرحلة الفضائية يمكن أن نستشف أن السارد السارد ىينكتب كما يكتب ذاته ، ويكشف عن هواجسه وانشغالاته في الكتابة والحياة ، كما أن استدعاءه لهذه الأقنعة من الأدب العالمي من شأنه أن يحفز المحكي القصصي بعوالم قائمة على وسائل تعبيرية جديدة مما يورطنا إيجابيا في العنصر الغرائبي اعتمادا على معاني ومنحرفة .

على سبيل الخاتمة :

وصفوة القول ، قصص ” مسيح القمر الأزرق ” لأشرف القرقني ، تجربة قصصية تشكلت جماليا وبحرفية ومهارة ، لترتقي بالمحكي القصصي إلى عوالم وأجواء تميزت بقدرة كبيرة على إمتاع القارئ وإثارة ذهنه ودهشته ، بإنتاجها لتيمات ووسائل تعبيرية جديدة ، وبرؤية موغلة في معاناة الإنسان وقلقه وتغريبته في مجتمع غير آمن ، ومن أراد الخبر اليقين على ذلك ، فليفتح باب هذه المجموعة القصصية ويدخل عوالمها الممتعة والمذهلة .

 

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist