في مغرب اليوم، تتجلى مفارقة مؤلمة بين وطن يركض بسرعة في ميدان الكرة، ووطن يتعثر في مضمار التنمية. ففي الوقت الذي يرفع فيه أشبال الأطلس لأقل من 20 سنة راية البلاد عاليًا ببلوغهم نهائي كأس العالم أمام الأرجنتين غدًا الأحد، تواصل المنتخبات الوطنية خطها التصاعدي بثقة وحرفية قلّ نظيرها، يقودها الإطار المغربي محمد وهبي، الذي برع في إدارة المجموعة، وصنع من الحلم واقعًا مغربيًا مشرفًا.
لكن في المقابل، يعيش المغاربة في واقع تنموي لا يعكس طموحاتهم. الأغلبية الحكومية، المكونة من حزب التجمع الوطني للأحرار، حزب الاستقلال، وحزب الأصالة والمعاصرة، لم تنجح بعد في ترجمة وعودها الكبرى إلى نتائج ملموسة. فمؤشرات التشغيل تتراجع، والتعليم يئن تحت وطأة الإصلاحات المتقطعة، أما الصحة فتبقى أكثر القطاعات هشاشة ومعاناة.
وبينما تُرصد مليارات الدراهم لبناء وإعادة بناء ملاعب كرة القدم استعدادًا لكأس إفريقيا للأمم واحتضان مونديال 2030، يطرح المواطن سؤالًا مشروعًا: لماذا لا نرى نفس الحماس في بناء المستشفيات والمدارس الكبرى؟ لماذا تُبنى الملاعب الحديثة في حين تُترك أقسام المدارس المتهالكة بلا نوافذ ولا تجهيزات؟ ولماذا يتفاخر المسؤولون بالعشب الأخضر فيما تجف آمال الشباب في التشغيل والعيش الكريم؟
إنّ ما يحققه المغرب رياضيًا أمر يُفتخر به، فهو نتيجة تخطيط واستثمار في الطاقات البشرية، لكنه في الآن نفسه يكشف عجز الحكومة عن نقل روح النجاح من الملاعب إلى ميادين التنمية. فبينما يُبدع محمد وهبي في توجيه أشباله نحو النصر، يبدو قادة الأغلبية كمن فقدوا البوصلة في إدارة شؤون البلاد.
هكذا يسير المغرب بسرعتين: سرعة رياضية ترفع الرأس أمام العالم، وسرعة حكومية متثاقلة لا تتجاوز حدود الوعود. وبين الميدانين، يبقى المواطن المغربي الحالم هو الحكم الذي ينتظر من حكومته أن تتعلم من منتخب بلاده كيف تُبنى الانتصارات بالعزيمة، لا بالشعارات.