ما بين الأحد 19 أكتوبر والجمعة 24 منه، حضرت اشتغال على قراءة السرد بتطوان.
في المكان رياض مطامر في المدينة القديمة. قراءة في كتاب “رحلة إلى جمهورية الفراعنة”، ثم في الأسبوع الموالي قاعة إكليل، في الجزء الحديث من تطوان.
الجمعيات المنظمة في كلتا الحالتين: أنثى ترأس الجمعية، سواء الجمعية الثقافية (سلوى) أو جمعية درر (نجلاء).
***
أما المؤلفان فوجهة السرد وجهتان:
وجهة المؤلف الأول مصر في شكل تقرير دقيق عن رحلة حيث سجل المؤلف مصر في حالتيها: بتوصيفها التليد “أم الدنيا” من خلال القاهرة والإسكندرية، بتفاصيل الأطباق الغذائية المصرية الشهيرة، وكذا معالم مصر السيسي، بالحضور الأمني الكثيف، بنقط التفتيش المتعددة، من الجمارك إلى المتحف وعبر الطرق. مصر بسحنتها الحزينة اجتماعيا حيث تستحق توصيف “أم الدونية”، لأن ضمن التدهور الرمزي العام في المنطقة العربية، لم يعد المصريون يرون في الكنوز التاريخية المتنوعة التي ينفردون بها سوى عبادة الفرعون مقابل التفريط في الأخوة الموروثة لديهم مع الشعب السوداني. سجل المؤلف ملاحظة صعوبة تحويل معطيات الرحلة إلى سرد روائي.
ووجهة السرد الروائي الثاني صرخة ظلم مركبة، من جيل الأجداد إلى جيل الأحفاد، مع تشبيك عابر للمجتمعات، ما بين المغرب واسبانيا والسودان. حكاية تركة تناسل بشري خارج المؤسسات بما يفرضه ويفترضه من حلول سريالية ما بين الهويات الشخصية الاستثنائية الاضطرارية وما يعتبر اتجارا في البشر مع ضرورات ستر الفضيحة والصبر على البلوى. كيف ستنشأ النفسية غير درجة قصوى من الهشاشة.
ما بين رياض مطامر وقاعة إكليل، أجيال ونوازع، ونقط انطلاق واستراحات وصول. من المنظمين إلى المؤلفين، تنوع نوافذ النظر وتناسل الطموح الثقافي. لعل الثقافة تصبح حضن الأم والملاذ وفي نفس الوقت بوصلة الأحلام الآتية.
***
عندما انسللت من قاعة إكليل إلى جنبات المركب الثقافي، لاحظت في الساحة/الحديقة شباباً في عز المراهقة، أغلبهم إناث، يحملون آلات العزف، واحدة منهم تنقر بأصابعها على القيتار..هكذا هي تطوان.
تقليد القراءة والرسم والنحت والعزف وتبادل الرأي. قد يقل الخير الثقافي في تطوان على إيقاع الأجواء العامة، ولكنه لا ينقطع.
والجميل العجيب أن حاملي الهم الثقافي، جزء هام منهم لم يعر الدبلومات الجامعية اهتماما. مما يرفع نسبة التطابق في درجة الهم وأداء المهمة الثقافية لدى منتجي الكتاب ومحيط العناية بالكتاب. مما يجعل التعاطي الثقافي في تطوان من صنف الطبع والكينونة وقليلا ما هو امتداد للتطبع والتكيف مع المهن الثقافية.
***
كانت تونس العاصمة حاضرة في رياض مطامر، وكانت مدريد حاضرة في قاعة إكليل. ولعل، انشطار المغاربة نزعتين موروث، إذ ينغرس الانشطار داخل نفسية كل فرد مغربي، ما بين المشرق تارة والغرب تارة أخرى. ويكاد المغاربة يشعرون في الحالتين، أن المشرق مغرور والغرب مغرور.
***
يعتقد بعض المغاربة المندمجين في المشرق أن باقي المغاربة ضعيفو الوعي القومي، بينما يعتقد بعض المستقرين في الغرب أن مواطنيهم المغاربة ضعيفو الحداثة.
والحال، أن كلا الطرفين يصيبهم قسط من الاستلاب. لأن الشرق ابتلي بالتقدمية العسكرية الانقلابية، بينما ابتلي الغرب بما شكّله من صور التفوق الوهمي.
لعل جورج طرابيشي نفسه الذي استنتج مصير العرب متقهقرا “من النهضة إلى الردة”، لم ينتبه أنه صاغ عنوان كتابه في شطره الأخير بعبارة دينية، وقد سبقه مترجم كتاب لينين حول أستاذه في الاشتراكية يوم اختلافا بصدد الموقف الوطني من ميزانية الحرب (ع.1) لم يجد مؤسس الاشتراكية السوفياتية سوى صيغة “المرتد كاوتسكي”.
بحيث يستنتج القارئ الملاحظ على مسافة أن التقدمية الشرقية بقيت عميقة الارتباط بالمحافظة الدينية على صعيد اللاوعي. في حين انبنت العلمانية الفرنسية الفجة على انفصام في الشخصية تبرأ منها الانجلوسكسون.
تبنى العرب علمانية شكلية، ولم يتساءل أكثرهم تجدرا في تبني الدولة القومية على الطراز الغربي حول سبب بروز فرنسا خصوصا في صناعة العطر. ولا تساءلوا عن سبب اتباع الغرب أسلوب الأكل بالسكين والشوكة. أنا هنا، أطلب التسليم وأستعيذ بالله من الشيطان الذي قد يهمس في الآذن أنني أتحدث وكأن عبد الله العروي لم يفكك الأيديولوجيا العربية المعاصرة ولم يرشد العقول باستخدام التاريخانية آلية للفهم الموجود بدل التنطع وَهْمًا لإحلال غير القابل للوجود. وبالتاريخانية نتأمل الشوكة والسكين في الغرب لنعود لضرورة النظافة لديهم بدل الاستعمال المقتبس المتأنق لدينا. لم يتوضأوا خمس مرات، فاضطروا للشوكة والسكين، ولأنا حضارتنا بماء الورد والزهر البيو جزء مما بدا لنا ما بعد الوضوء ملاءمة للطرب الاندلسي، اضطروا هم أيضا لإخفاء الكريه من توابع الوسخ الزاهد بصناعة العطر. خصوصا وقد تبادلوا وفود الدبلوماسية مع الترك والمغاربة. تلك تاريخانية عملية.
***
الغرب أدرى بمفارقة اعتقاد الكنيسة بصدد المسافة التي كلما قربت من الجسم ابتعدت عن الروح. لذلك، ولإثبات البعد عن الجسد تم النص صراحة في فتاوي الكنيسة عن كون نظافة الجسم علامة عن الابتعاد عن الروح وعن الإيمان وعالم الرب. أصبح العطر إذن البديل الضروري لإخفاء توابع الوسخ والعَرَق. وقد نشر الغرب عن أكثر ملكات أوربا زهدا وإيمانا (إيزابيلا لاكاثوليكا) كونها الملكة الوسخة. ولأن الأيدي يصدق عليها وهي الجزء ما يصدق على الجسد بالكامل، وبالمناسبة، كان ضحايا الطاعون والجوائح في أوربا أكبر عددا منه في البلاد الإسلامية. وهو ما يفسر التأنق الغربي اليوم عبر الأكل بالسكين والشوكة. ولكن الذين قضوا العمر كله في الدعوة إلى الحداثة قلت عندهم الملاحظة بهذين التفصيلين.
لذا، كلما تحدث مثقفو العرب الحداثيون عن الإصلاح الديني في الغرب، لم يرتبوا أفكارهم بصدد أجيال الإصلاح المسيحي في أوربا. ولم يتساءلوا: ما الذي يختلف به جان كالفان اللاتيني عن مارتن لوثر الألماني، ولماذا اختلف الانجليز عنهما معا. بل لماذا جاء الإصلاح في أوربا القارية من تحت (ثورة الفلاحين الألمانية التي كتب عنها انجلز)، بينما أتى الإصلاح المسيحي في أوربا البحرية من فوق (الملوك: هنري الثامن متعدد الزوجات لتبرير الطلاق)؟
ولماذا واجهت فرنسا الإصلاح بشراسة لتسقط أخيرا في النقيض: فصل الدين عن الدولة؟ ولماذا بقي الاعتدال الإنجليزي واضحا تجاه الدين والملكية، بينما سبق الفرنسيين إلى منع العبودية ورسخ المؤسسة النيابية بشكل أصلب من التجربة الفرنسية؟
***
بالعودة إلى عقدة المشرق والغرب لدى المغاربة، نعود إلى النظرة النقدية لدى أشرف بولمقوس بصدد مصر. التي انحدرت على سفح الحضارة بحيث لم يبق من الفرعونية سوى ثقل الدكتاتورية بمختلف أنواعها.
كما نجد عبد الحميد البجوقي في هسيس الغرباء يثبت نسبية الأمم والحضارات، ما دام التلاقح يلاحق كل المجتمعات والشعوب، بنقط الضعف والقوة، ليقلم الأظافر الشرسة للهوية. وهو في كثير من فقرات السرد لديه ينتقد الغرب ومن أنصار المحذرين من الهويات القاتلة.
ولأن المؤلف يموت بعد إكمال مهمة الكتابة، فللقارئ دور تالٍ. لقد ابتكرت الدولة خلال الربع قرن الأخير عبارة “مغاربة العالم”. وهو توليف منتج للقيمة المتلاقحة لدى المغاربة في البلدان المستقبلة لهم. بمجرد الاستقرار والانتقال الى الجيل الثاني والثالث، تصبح هوية المواطن العالمي مركبة، وكرر الروائي عبد الحميد البجوقي من قبل، الحيرة التي أصابته وهو يعود من المنفى إلى المغرب، كيف تألم لمغادرة اسبانيا، فالشاب الذي وجد نفسه منفيا في اسبانيا وله من العمر 23 سنة، رجع ناضج التجارب إلى المغرب وله من العمر 39. وسن الأربعين هو سن النضج. فالعشريتين الأوليين من العمر، تفجر طاقة التساؤل، بينما تراكم العشريتان الثالثة والرابعة الممارسة العملية. لتخلي الطاقة المكان للخبرة. وأن يقضيهما المغربي “مغتربا” منفيا، يعني أنه لم يكن هناك مجرد “مهاجر اقتصادي”، بل رحل وهو حامل مواطنة معطاءة منفتحة على تمثل المسؤولية لتوازن حرارة الحرية. فقد عاش واقتص من جلده حقيقة “مغاربة العالم” وهو يسمع حالات اقتصاص الدول من معارضيها بالخطف أو القتل.
لكل ذا، ومنه، جاء تغيير الدولة النظر إلى مغاربة الشتات من مجرد مهاجرين إلى مغاربة العالم، كما لو شيّدت مركّبا ذهنيا جديدا متكاملا.
ومع هذا كله، أو بعد إعادة ترتيب البيت المغربي يبقى للمغاربة الحق في مخاطبة العالم “المغرور” شرقا وغربا، ب”ثقافة ما بعد الاستعمار”. ليخرج المغاربة من صندوق الدونية. وليستعيدوا الاستحقاق التاريخي الذي يحتفظ لهم بمكانة غير مكانة القومجية أو الفرنكوفونية الفجتين. ليس بالصيغة المسطحة حول “تمغربيت”، وقد شهدت المفكرة رحمة بورقية تبرؤها من تلك الشعبوية السطحية أيضا.
للأمم المتحدة اليوم أمينا عاما بضمير حي قدر المستطاع. وهو ابن أمة عندما جربت الجرأة على المغرب كانت النتيجة أنها انمحت كامبراطورية بحرية كبيرة لمدة ستين عاما. والبرتغال شريك المغرب في مونديال 2030.
وأما الشريك الثالث (اسبانيا)، فقضية التراب حيث تمتد سيادتها على أجزاء من تراب جارها المغرب، تعلم اسبانيا أن للمغرب رؤية مركبة تتخذ بعين الاعتبار وجود إنجلترا في جبل طارق. واسبانيا تعلم جيدا لماذا اعترف محمد الثالث بالولايات المتحدة (دجنبر 1777) بينما بقي كارلوس الثالث مترددا، ليشجعه موقف المغرب الاستباقي إرسال بعثة دبلوماسية اسبانية إلى المغرب لتوحيد الجهد ضد إنجلترا بأربعة أشهر من بعد (مارس 1778). ويعلم الاسبان لماذا لم يكن في وسعهم الاحتفاظ بتطوان بعد “حرب افريقيا” (1860)، لأن تنسيق المغرب مع إنجلترا ساعتها كان على قدم وساق، حفظا لتوازن القوى في منطقة البوغاز. وهو نفس الدهاء الذي مارسه المغرب بعد حرب اسلي بحيث لم تستطع فرنسا البقاء في وجدة رغم إلحاح الحزب العسكري الفرنسي إبانه(1844).
***
عندما يطرح مشكل التعليم اليوم، فليس أكثر من أن يصبح الدهاء الدبلوماسي الرسمي مدعوما بمناعة وعي شعبي بما قد يحدق بالبلد ككل. وهذا الأمر ليس دعما لمجرد مطلب حركة جيل زد، فقد تحرك شباب جيل زد في صربيا منذ عام من قبل، وتركه الإعلام الغربي في تعتيم كامل. والحركة الشبابية الصربية تشتكي من تلكؤ الإتحاد الأوربي، لأن حالة أوكرانيا لم تترك للأوربيين مساحة لحرية الحركة الرسمية مع تعقيدات السياسة العالمية المتناسلة.
لذا، نعم للمطالب، لكن كما عبّر عبد الحميد البجوقي في مقال سابق هناك الكثير من الغموض، ليس أقله توقيت الإعلان عن ساحات تجريبية في النيبال (الضغط على الصين؟)، ومدغشقر (الضغط على جنوب افريقيا التي وضعت ملف إسرائيل في الجنائية الدولية؟) والمغرب (بعث رسالة إلى العربية السعودية بصدد موقفها الحازم بصدد حل الدولتين؟)
فللمغاربة مخيال عالمي اليوم قصد تدبر مختلف الأبعاد وفق “ثقافة ما بعد الاستعمار”.
هكذا قرأت التنوع السردي من خلال حضور قراءة “رحلة إلى جمهورية الفراعنة” ورواية “هسيس الغرباء”.
ولأن تطوان راسمة النقش بالأرابيسك الطافح بالذوق الرفيع، تخيلت جمعيتي بنات تطوان لم تعد تلك البنات التي تسترق النظر إلى الضوء من وراء النوافذ، بل أصبحن يصنعن نور الوعي الجديد خارج الأسوار المزينة بالفسيفساء والأرابيسك. وعلى ذكر ذلك، يحق للوعي الفني الجديد أن ينظر إلى الرصيد الحضاري الفني ليس عقما بل إبداعا مختلفا للعلامة عن إبداع الغرب الذي يحتفي بالصورة، وهي مسافة تكاد تكون ما بين الأبجدية المصورة (الصينية) إلى أبجدية العلامة التي أبدعت للعالم الخوارزميات الالكترونية. ويا للمسافة الضوئية بين الرمزين. فهمُهُ يشترط الخروج من صندوق نفسية الدونية، سواء تجاه المشرق أو تجاه الغرب.
نعم، يحق للمغاربة أن يقدموا اليوم صورة ثقافية متكاملة، مفيدة للمستقبل، تضمن إنسانية الذكاء الصناعي مستقبلا.