مؤسسة الوسيط: العدالة المؤسساتية كأفق لتوازن السلطة

عبد الإله ابعيصيص

لم تعد الديمقراطية، في التجربة المغربية، مجرد عملية انتخابية أو صراع حول صناديق الاقتراع، بل أصبحت منظومة مركبة تتأسس على توازن دقيق بين شرعية التمثيل وشرعية المراقبة. فالصوت الانتخابي، رغم أهميته، لا يكفي وحده لضمان استقامة النظام السياسي أو لحماية حقوق الأفراد داخل المجتمع. من هنا برزت الحاجة إلى مؤسسات جديدة من نوع آخر، مؤسسات تُعنى بـ”العدل في ممارسة السلطة” أكثر من اهتمامها بتقاسمها. ضمن هذا الأفق، تبرز مؤسسة الوسيط بوصفها أحد أهم مكاسب الإصلاح الدستوري المغربي، وأداة لترسيخ ما يمكن تسميته بـ العدالة المؤسساتية؛ أي العدالة التي تُمارسها الدولة في علاقتها بالمواطن، من خلال آليات الوساطة، والإنصاف، وإصلاح الإدارة من الداخل.
انبثقت مؤسسة الوسيط كامتداد لتجربة ديوان المظالم، لكنها سرعان ما تحولت، بفضل دستور 2011 والقانون المنظم لها، إلى فاعل دستوري مستقل يمتلك صلاحيات واضحة في التظلم والتحكيم وإبداء التوصيات.
لم تعد المؤسسة مجرد مكتب لتلقي الشكايات، بل أصبحت مرجعًا أخلاقيًا وقانونيًا يراقب علاقة الإدارة بالمواطنين، ويعيد التوازن إلى معادلة السلطة والمسؤولية.فمن خلال تدخلاتها، تسعى المؤسسة إلى رد الاعتبار للمواطن بوصفه شريكًا في الفعل العمومي، لا مجرد متلقٍ للقرارات الإدارية. إنها تعمل على تفكيك البيروقراطية وتلطيفها، وتجعل من القانون أداة إنصاف لا وسيلة تسلط. وهنا تكمن قيمتها السياسية العميقة: فهي تُعيد تعريف الدولة ذاتها، من سلطة آمرة إلى سلطة منصتة. رغم كل الثمثلات السلبية التي تحتل مساحات شاسعة من تصورات المواطنين. إنها محاولة للانتقال من منطق الشكاية كصيغة لإعلان التظلم وإشهاره في وجه المسؤول والإدارة والسلطة إلى مدارات الفعل المؤسساتي القانوني والدستوري.
فالوسيط كمؤسسة فاعلة في هندسة الثقة من أجل اصلاح هادئ تتحرك في فضاء حساس بين الدولة والمجتمع، فهي ليست خصمًا لأي طرف، رغم أنها تزعج السلطات أحيانا كما يعتبرها المواطن مجرد واجهة من واجات خفض التوتر إلا أنها تمثل حقا جسرا تواصليا يسعى إلى ترميم الثقة المفقودة.
لقد عبّر الوسيط الحالي للمملكة، حسن طارق، عن هذا التوجه حين أكد أن المؤسسة “ليست مكتبًا لتصريف الشكايات، بل فضاء لرد الاعتبار للمواطن في علاقته بالإدارة”.
هذه الرؤية تُبرز طموحًا جديدًا: أن تتحول المؤسسة إلى قوة اقتراحية تساهم في تجويد السياسات العمومية، وتغرس ثقافة المساواة وعدم التمييز داخل المرفق العمومي.
فمشروع “المساواة وعدم التمييز” الذي أطلقته المؤسسة، ليس مجرد مبادرة إدارية، بل محاولة جريئة لإعادة بناء المخيال الإداري حول المواطن، باعتباره فردًا متساويًا في الكرامة والحقوق. هذا المشروع، إن تُرجِم إلى واقع، يمكن أن يغير طبيعة العلاقة بين المواطن والدولة، من علاقة عمودية إلى علاقة ثقة متبادلة.
لسيت عبارة العدالة المؤسساتية أو أنسنة القرار العمومي مجرد إنشاء لملء فراغات يتركها الظلم الذي تخلفه تعسفات الإدارة بل هي محاولة أخرى من النصف العاقل من الدولة لرد الاعتبار للمغاربة، إن عمل مؤسسة الوسيط يكتسب بعدًا فلسفيًا عميقًا، لأنها تُعيد “تأنيس السلطة” على حد تعبير عبد الله العروي، أي إخضاعها للعقل والمعرفة والضمير الأخلاقي. فهي لا تسائل الدولة في شرعيتها السياسية فقط، بل في كيفية ممارستها للسلطة.
إنها تُدخل الأخلاق في صلب الإدارة، وتجعل من احترام الإنسان معيارًا لنجاعة القرار العمومي.
وفي هذا المعنى، يمكن القول إن الوسيط يرمز إلى الوجه الإنساني للدولة، دولة لا تمارس سلطتها إلا بقدر ما تخدم العدالة والمساواة والكرامة.

و رغم ما حققته مؤسسة الوسيط من حضور واعتراف يبقى تحدي مأسسة التوصيات رهانها الأصعب ، بالإضافة إلى الفاعلية ما زال مطروحًا بإلحاح. فالكثير من توصياتها تبقى دون تنفيذ، وتظل العلاقة مع الإدارة محكومة أحيانًا بنوع من التوجس أو الفهم الضيق لدورها.
فالوساطة الإدارية ليست خصمًا للإدارة، بل هي أداة لتقويتها وتعزيز مشروعيتها عبر التصحيح الذاتي. سيظل هذا التوتر الذي يرزخ تحت نيره مؤسسة الوسيط دائم الحضور لأن السلطة تبقى سلطة لا تقبل تدخلات فوق إدارية فالمنطق الرئاسي أو التسلسل الإداري يتسم بنوع من الغرور الذي لا يمكن تفسيره إلا باستمرار أزمة التسلط التي تعاني منها مؤسساتنا. هنا بالضبط يبرز الفرق بين الديمقراطية الشكلية والديمقراطية المؤسساتية: الأولى تُقاس بانتظام الانتخابات، أما الثانية فتُقاس بقدرة الدولة على الاستماع لمؤسساتها المستقلة والتفاعل معها بجدية.إن تجربة الوسيط في بلدان كالنرويج والسويد وهولندا أظهرت أن نجاح هذه المؤسسات لا يتوقف على صلاحياتها القانونية، بل على ثقافة سياسية تؤمن بقيم المراقبة والشفافية. والمغرب، بتركيبته الدستورية الحالية، يمتلك الإمكانات ليجعل من مؤسسة الوسيط نموذجًا رائدًا في المنطقة، شريطة تحويل توصياتها إلى سياسات فعلية لا إلى شعارات مؤسسية.
تمثل مؤسسة الوسيط اليوم رهانًا استراتيجيًا لبناء ديمقراطية مغربية ذات بعد مؤسساتي وأخلاقي. فهي تُعيد التوازن بين منطق السلطة ومنطق الحق، وتمنح للمواطنين أفقًا جديدًا للإنصاف بعيدًا عن منطق الاحتجاج أو اليأس من المؤسسات. لكن مستقبل هذه التجربة يتوقف على إرادة الدولة في الإصغاء لمؤسساتها، وعلى وعي الإدارة بأن احترام توصيات الوسيط ليس تقليصًا من سلطتها، بل توسيع لمشروعيتها.
فكلما كانت السلطة أكثر قابلية للنقد والتصحيح، كانت أكثر استقرارًا وعدلًا.
وهكذا، تُعيد مؤسسة الوسيط تعريف الديمقراطية من جديد:
ليست فقط اختيار الحاكم عبر الصندوق، بل ضمان عدالة السلطة بعد وصولها إلى الحكم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist