حركة جيل زد… فرصة لإعادة المعنى للسياسة!

ذ. حكيمة ناجي

يرصد الجزء الأول من هذه المقالة أزمة السياسة التي نعيش في ظل موازين قوى مضطربة ناتجة عن تقاطب بين القوى الحية للمجتمع، وتقاعس النخب، بل وشيخوختها، وضعف مؤسسات الوساطة الديمقراطية. في هذا السياق، يمكننا طرح السؤال، هل استنفدنا الإمكان الدستوري؟ وهل الملكية البرلمانية عصا سحرية لحل إشكالية الازمة السياسية؟ في ظل هذا المشهد الهش مدنيا وسياسيا، وفي سياق إقليمي ودولي مضطرب، من جهة، وواعد بانبثاق دينامية ممانعة أممية، من جهة أخرى. في ظل أوضاع هشاشة الفاعل الشعبي، تضعف إمكانيات الفعل وتقل المبادرات، ويصبح العمل ضمن ما تتيحه القوانين من مؤسسات ترابية ووطنية مهمًّا. كما يصبح بناء أشكال تنظيمية جديدة ضروريا لليقظة الشعبية المدنية الاجتماعية والسياسية، مع اعتماد ما تتيحه التكنولوجيا الخوارزمية من تصميم تطبيقات “اليقظة الشعبية المدنية” للتتبع اليومي للمرفق العمومي والسياسات العمومية والمؤسسات المنتخبة وغير المنتخبة، تبدأ من الدائرة، فالجماعة، والإقليم أو العمالة، ثم الجهة، فالمستوى الوطني.

ومن أجل ذلك، تصبح الحاجة إلى فتح نقاش عمومي للترجمة التنظيمية لهذه اليقظة التي تبقى الاختيار الواقعي والفعال أمام الشباب، عوض دعوتهم للانخراط في الأحزاب الموجودة أو تأسيس أخرى، نعرف مسبقا عوائقها في واقع ديمقراطية لا تزال شكلية. أما الجزء الثاني، فيتطرق لتمثلات المغاربة لما يحدث من تقدم، وعلى ضوء تزايد الحاجيات وانفتاح المغاربة على العالم عبر الحياة الافتراضية، ما هو الاختيار الاقتصادي السياسي، والإنجازات الاجتماعية الضروري القيام بها؟ والهدف من هذه المقالة المساهمة في مقاربة بعض الإشكالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المطروحة في الساحة التي أطلقتها حركة “جيل زد”.

الجزء الأول(2/1): أسئلة لابد من الوقوف عندها

في سياق مسترسل، يعرف المغرب دينامية شعبية احتجاجية سلمية منذ عقد ونصف، أي بعدما ما استقر الانتقال بين ملكين وما فرض ذلك من أوراش اقتضتها ظروف الانتقال وبناء معالم صورة الملك الجديد وتموقعه علاقة بالملك الراحل. ومنذ أزيد من سنتين، عشنا على خلفية حركية التضامن مع الشعب الفلسطيني، وما عرفه هذا النضال من أجل وقف الإبادة وتطبيع بلادنا مع الصهيونازية، من تجاهل تام وعدم التجاوب معه، وقد شكل ما يعانيه الشعب الفلسطيني من إبادة همًّا لدى كل فئات المجتمع، من عبّر عن ذلك بخروجه للشوارع في مظاهرات، ومن احتج وامتعض في مختلف الأماكن العمومية. فبدا لي أثناء هذا المسار ان هذا التجاهل ليس في مصلحة المغرب لما يولده من شعور بالإهانة والحكرة لدى عموم الناس، ومن تسفيه للصوت الشعبي، سوف تكون له عواقب، من تعميق لهوة انعدام الثقة فيمن يفترض أنهم يحكمون باسمنا. وقد يُنتج ذلك كراهية وعداوة بين الشعب والحكم يصبح تذويبها عملية صعبة فيما بعد. لتتدفق حركة “جيل زد 212″، لا لتتكلم عن فلسطين، ولكن لترفع، في بداية الامر شعار “التعليم والصحة أولا، قبل المونديال”. هل “جيل زد” غير مكترث بما يحدث من إبادة الفلسطينيين؟ مستبعد بشكل كبير. الشعب المغربي كله يتألم بسبب ذلك. هل هذا الجيل في واد والباقي في واد؟ أبدا، كلنا في واد واحد، أزمة السياسي، والاقتصادي والاجتماعي. قد يكون جيلا براغماتيا، يحدد أهدافه بدقة وفق حاجياته ولا يتيه. استفاد من التجارب السابقة بمطالبها وسلبياتها، فمن ولد في 1997 من هذا الجيل كان عمره 14 سنة أثناء حركة 20 فبراير 2011، و19 سنة علاقة بحراك الريف الذي كانت له تداعيات وطنية. فإذن هو جيل، مهْما اعتقد، صُهر تحت نار ما طرح في الفضاء العام المغربي، أولا، وإن كان ذلك خارج تنظيمات الوساطة، وتأثر افتراضيا بما يحدث في العالم، وهذا ما أعطاه بعضا من خصوصيته مقارنة بالحراكات السابقة. هناك استمرارية في الفعل المغربي المقاوم ولا توجد أية قطيعة.

أزمة السياسة وعجز النخب

شكلت محطة 20 فبراير 2011 لحظة سياسية فارقة في تاريخ المغرب، لما تَوفر لها من شرط تاريخي خارجا عنها، ألا وهو ربيع الشعوب الذي شكل الخلفية الضاغطة الأكثر تأثيرا على أعلى سلطة سياسية بالبلاد، والتي تكللت بفتح ملف الإصلاح الدستوري وبمنهجية تشاركية مختلفة عن السابق، وإن لم تشمل كل الحساسيات السياسية الوازنة، فإنها تمثلت بشكل غير مباشر من لدن الحلفاء الأيديولوجيين، تعبَّأت لها مختلف قوى الفعل السياسي والمدني، لكن ذلك تم في ظل تقاطب أيدلوجي حاد أرخى بضلاله على الوثيقة الدستورية. هذا الزخم السياسي سرعان ما تكالبت كل الظروف الخاصة بالتجربة المغربية من ضعف الإرادة الفعلية في التغيير من طرف الدولة، ونتيجة تقاعس النخب لتعيدنا إلى ما قبل 2000. وقد بدأنا نعيش فصول التراجع وتغول السلطة على حساب مؤسسات المجتمع مباشرة بعدما استُنفِد الإمكان الذي حبلت به السيرورة التي أطلقتها حركة 20 فبراير. حتى كاد اليأس يتمكن منا رغم بعض الأصوات التي لم تتوقف عن دق ناقوس الخطر داخل وخارج المؤسسات. فما يحسب لحركة “جيل زد”، هو أنه أفاق الأمل بدواخلنا، وضخ دماء جديدة في فضائنا العام من جديد، واستنفر السلطات العمومية من سبات بطء فعلها وأولوياتها التي ليس فحسب لا تجيب عن الحاجيات الفعلية للمغربيات والمغاربة، بل أحيانا تستفز ذكاءهم. إن هذه الحركة جعلتنا من جديد نحلم بأن التغيير ممكن.

لم يعد للسياسة كما تدار اليوم من معنى مقبول، أو على الأقل لم يعد المغاربة من الشباب أساسا يقبلونه لا عند الدولة ولا عند مؤسسات الوساطة التي لم تعد قادرة على التعبئة الجماهيرية من أجل التغيير، بل أصبحت مكتفية بلعبة الانتخابات في ظل هامش زاد ضيقا ولم ينفع معه الانتظار ليتسع، ولن يفعل ذلك مع طريقة تدبير الحكم وشيخوخة النخب الكابحة للتجديد. لكن الطبيعة تكره الفراغ.

ولكن السؤال الذي يُطرح علينا بإلحاح، ما هي العروض السياسية من أجل الإصلاح التي يمكن للشباب اليوم أن يبنوا عليها أو يتبنوها؟ يمكن القول إن هناك ثلاث خيارات مبتورة أمامهم، واحد يساري تدافع عنه بعض الفعاليات الفردية وبعض الأحزاب اليسارية الصغيرة، يحمل شعار “لا تقدم من دون إصلاح سياسي عميق”، وآخر عملت الدولة على إعداده تُصرف بعض مقترحاته، الا وهو النموذج التنموي الجديد، وآخر أممي، وهو أجندة أهداف التنمية المستدامة. فإذا كان الثاني والثالث يُغيِّبان تماما الإصلاح السياسي الضروري لتفعيلهما، فإن العرض الأول، يقف عند المدخل المبدئي دون إعطاء تصوره حول كيفية النهوض بالعدالة الاجتماعية وما هو الاقتصاد السياسي الواقعي المناسب للمغرب، في عالم متحول تغلب على اقتصاداته الصناعةُ المرتبطة بالخوارزميات والتي سوف تعصف بفرص الشغل الشحيحة أصلا عند الدول النامية مثلنا، أكثر مما سوف يحدث في البلدان الصناعية كما تؤكد على ذلك التقارير الأممية. وما هي الإصلاحات الضرورية لتوفير شروط المشروع السياسي، وما هي مراحله الانتقالية، وما إلى ذلك.

إن التجربة المغربية معقدة ومركبة، كأي تجربة إنسانية أخرى، تجر خلفها ثقل تاريخ من الصراعات على السلطة، ومن آثار الفترة الكولونيالية، وما ترتب عنها من التبعية لنفوذ القوى الاستعمارية، وآثار كل هذا على بنية الدولة، وبنيات المجتمع وذهنيات النخبة من أجيال الطفرة الديمغرافيةBaby Boomers  وXوY، لم يخبرها جيل زد المنتفض اليوم. هذا التاريخ لا يمكن الارتفاع عنه، ومن لا يستحضره سوف يجني مزيدا من خيبات الأمل، دون أن يعني ذلك أن التغيير غير ممكن. فقط ونحن نفكر في الإصلاح، علينا استحضار كل العوامل لتحييد كوابحها. لنأخذ مثالا على أحد الكوابح الأساسية المتعددة والتي سوف أتطرق لها في سياقات الإصلاح الاجتماعي، النخبة المغربية تشكل أعظم كابح للتقدم في الإصلاح ببلادنا والتي تفوت علينا فرص الإصلاح منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر على الأقل. وفي هذا الشأن كتابات متعددة جَلّت بعض من خبايا هذا التاريخ.

بالتأكيد للإصلاح العميق مدخل سياسي ضروري، من دونه لا نرى أفقا لبلادنا في هذا القرن، وقد يعرض بلادنا لهزات شعبية متكررة، وهذا لا يشكل أدنى خطر طالما الدولة قادرة على التفاعل معه بإيجابية وفق ما تسمح به مصالحها. لكن المشكل البعيد المدى هو إضعاف القوة الشعبية التي تشكل الضامن الحقيقي لاستقرار الدولة، بل لوجودها وسيادتها. غير أن المدخل السياسي وحده ليس كافيا مهما كان ضروريا، ولا يمكنه أن يشكل العصا السحرية لحل إشكاليات التأخر التي نرزح تحتها. ثقل التأخر المجتمعي لا يمكن تجاهله في أي إصلاح. كما لا يمكن الاستهانة بتشعب بنية المخزن والمصالح التي نمت حوله في مفاصل البلاد كلها. بما يعني ذلك من اقتيات شبكات من المصالح الفئوية والفردية حول المنظومة المخزنية.

علينا تقدير أفاعيل المسلسل الانتخابي ببلادنا في تعزيز تداخل وتوسيع شبكة الذهنيات المخزنية منذ بداية الاستقلال. فقد شكل سيرورة لتثبيت بنيات الدولة المخزنية وبالخصوص في العالم القروي الموجود عمليا خارج العمل الديمقراطي. لم تعد سلطان المخزن في حدود المركز، بل تشعب متخذا بنية جذرومية ستكون سريرا مواتيا لاستنبات ثقافة المصالح غير المشروعة، عوض خدمة المصالح العامة. ولم تتوقف آثار ذلك في هذه الحدود، بل امتدت إلى الأحزاب اليسارية أيضا التي استدمجت ثقافة الاعيان منسلخة عن جذورها الشعبية والاشتراكية، وبهذا تكون قد وقعت صك اضمحلالها. يمكن القول أن المغرب اليوم بدون أحزاب يسارية قوية وحتى متوسطة، وهنا توجد عين الازمة السياسية ببلادنا.

لكن كل منظومة تستبطن حفار قبرها استعارة للقول الماركسي، فبموازاة ماكينة استنبات الفساد، تتدرب اليوم أجيال من النساء والرجال على التنظيم وتدبير الشأن العام والوقوف بالملموس على أشكال الفساد… عبر ما يتيحه قانون تنظيم الجماعات الترابية من لجن موازية تشرك المجتمع المدني مع كل ما يعتري هذه التجربة من شوائب.

(يتبع)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist