لا شكّ أن المسار نحو تجسيد مشروع الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية هو المسار الأكثر تعقيدًا في تاريخ المغرب الحديث. فبعد أن ربح المغرب معركة الأرض و القرار الاممي، يتهيّأ اليوم لخوض معركةٍ أشدّ عمقًا وصعوبة: معركة بناء النموذج المؤسسي الذي يُجسّد السيادة الوطنية في إطارٍ من التعدد والخصوصية، ويعيد الثقة إلى قلوب الصحراويين قبل أن يكتبها في نصوص الدساتير والقوانين. إنّ السؤال لم يعد ما إذا كان الحكم الذاتي هو الحلّ الممكن، بل كيف يمكن أن يُصبح هذا الحلّ مشروعًا وطنيًا حيًّا، لا مجرّد شعارٍ سياسيّ يُردَّد في المنتديات الدولية.
تبدأ الأسئلة من جوهر البناء الدستوري ذاته: ما هو التعديل الدستوري الممكن الذي سيحتضن هذا التحوّل الجوهري في طبيعة الدولة الترابية؟ هل سيُفتح الباب أمام فصلٍ جديد في الدستور يكرّس الجهة ذاتية الحكم ككيان مؤسسي ذي اختصاصات تنفيذية وتشريعية واضحة؟ أم يكفي تأويل النصوص الحالية في باب الجهوية المتقدمة لتُستوعب التجربة دون أن نغيّر في هندسة الدستور؟ إننا أمام معادلة دقيقة بين مبدأ وحدة الدولة وثوابتها، وبين حقّ جهة من جهات الوطن في أن تدبّر شؤونها في إطار من الخصوصية السياسية والثقافية.
لكن، أي نموذج للحكم الذاتي نريد؟ هل هو نموذج موسّع على غرار التجارب الإسبانية التي منحت الأقاليم صلاحيات شبه فدرالية؟ أم نموذج مغربيّ خالص، يوازن بين الانفتاح المؤسسي والضمانة السيادية؟ وكيف يمكن أن نُصمّم نظامًا إداريًا يوفّر للصحراويين أدوات حقيقية في تدبير شؤونهم دون أن ينشئ دولة داخل الدولة؟ هذه الأسئلة لا تتعلق فقط بالقانون، بل بفلسفة الحكم نفسها: إلى أي حدّ يمكن للرباط أن تتقاسم السلطة دون أن تتقاسم السيادة؟
ومن رحم هذه الأسئلة يبرز سؤال العدالة: كيف نحافظ على وحدة نظامنا القضائي في ظل الخصوصية القبلية والاجتماعية التي تميّز الصحراء؟ هل نُبقي على الهرم القضائي كما هو، بحيث تظل محكمة النقض المرجع الأعلى لكل الأحكام والقرارات؟ أم نبتكر نظامًا قضائيًا فرعيًا يُراعي الأعراف المحلية ويُجسّد العدالة التصالحية؟ وإذا وقع التنازع بين مؤسسات الجهة ذاتية الحكم ومؤسسات الدولة المركزية، فهل سنحتاج إلى محكمة دستورية جهوية تفصل في الاختصاصات، أم سيبقى الاحتكام إلى محكمة الرباط هو المبدأ الراسخ؟
الجواب ليس قانونيًا فحسب، بل سياسي بامتياز، لأنّ القضاء في مثل هذه التجارب يُشكّل حجر الزاوية في توازن العلاقة بين المركز والجهة.
وفي سياق آخر، تُطلّ أسئلة التمثيلية السياسية لتُربك اليقينيات القديمة: إذا ما أُنشئ برلمان جهوي منتخب، فهل ستكون التمثيلية الحزبية كافية لضمان تمثيل حقيقي للساكنة؟ أم أن التركيبة القبلية للمنطقة تفرض إدماج منطق الأعراف والتمثيل الاجتماعي إلى جانب المنطق الديمقراطي؟ وكيف يمكن إقناع النخب المحلية بأنّ المشاركة في مؤسسات الحكم الذاتي ليست مجرد دور رمزي، بل ممارسة فعلية للسلطة في إطار الوحدة الوطنية؟
إنّ الديمقراطية في الصحراء لا يمكن أن تُستنسخ من النموذج المركزي، بل تحتاج إلى هندسة تراعي التوازن بين الأصالة والحداثة، بين القبيلة والحزب، بين الولاء للوطن والانتماء للمجتمع المحلي.
ويزداد المشهد تعقيدًا حين نفكّر في المستقبل السياسي لما بعد التسوية. ماذا لو تحوّلت جبهة البوليساريو إلى حزبٍ سياسي قانوني داخل الإطار الجديد للحكم الذاتي؟ كيف ستتعامل بقية الأحزاب الوطنية مع هذا الكيان الجديد الذي يحمل ذاكرة الصراع؟ هل سيكون له الحق في الترشّح والمنافسة خارج منطقة الحكم الذاتي؟ وهل سيسمح للأحزاب الوطنية نفسها بالترشح داخل الصحراء في ظل الخصوصية الجديدة؟
هنا، تتقاطع السياسة مع علم الاجتماع السياسي: فقبول التعددية داخل الصحراء يعني الاعتراف بحقّ المختلف في المشاركة، لا في الانفصال. والاختبار الحقيقي للديمقراطية المغربية سيكون في قدرتها على تحويل الخصومة التاريخية إلى منافسة انتخابية تحت سقف الوطن.
غير أن البناء المؤسسي، مهما كان متينًا، لا يكتمل دون ركيزة الثقة. فهل يكفي أن نكتب نظامًا للحكم الذاتي في الدستور لنربح قلوب الصحراويين؟ أم أن الأمر يتطلب مصالحة حقيقية تُعيد الاعتبار للإنسان قبل الأرض؟ إنّ المغرب حين طرح مبادرة الحكم الذاتي لم يكن يسعى فقط إلى حلّ نزاع دولي، بل إلى بناء جسر إنساني بين من بقوا في الداخل ومن اضطروا إلى العيش في المخيمات. ولذلك، فإنّ التحدي الأصعب ليس تقنيًا ولا قانونيًا، بل وجداني: كيف نقنع أبناء الصحراء بأنهم شركاء في وطنٍ واحد لا رعايا في وطنين؟
ويبقى السؤال الأخير، وربما الأثقل وزنًا: هل سنكون أمام استفتاء لتحديد ملامح الحكم الذاتي الذي نريده؟ ومن له الحق في التصويت على مستقبل الصحراء؟ هل يشارك فيه فقط ساكنة الأقاليم الجنوبية؟ أم أنّه استحقاق وطني يهمّ كل المغاربة باعتباره مسألة سيادة ووحدة ترابية؟ وماذا عن العائدين من تندوف، والوحدويين الذين حملوا راية المغرب في أحلك الظروف؟ كيف نضمن أن يكون هذا الاستفتاء، إن وُجد، لحظةً للوحدة لا مناسبةً لإعادة طرح الأسئلة القديمة عن الشرعية والانتماء؟
إنّ هذه الأسئلة، بكل ما تحمله من قلقٍ وجرأة، ليست عائقًا أمام مشروع الحكم الذاتي، بل دليل على نضج النقاش الوطني حوله. فإقامة نظام حكم ذاتي ليس مجرّد نقل صلاحيات أو توزيع موارد، بل هو اختبارٌ للثقة في الدولة وفي المجتمع معًا. المسار صعب، نعم، لكنه المسار الوحيد الممكن نحو حلٍّ مغربيّ خالص، يعترف بالخصوصية دون أن يتنازل عن السيادة، ويمنح الصحراء موقعها في الوطن دون أن يفرّط في وحدة الوطن.
إنّ المعركة الحقيقية اليوم ليست معركة الصحراء كأرض، بل معركة الصحراء كقضية ثقة، كقضية وجدان، كقضية جيلٍ جديدٍ من المغاربة يريد أن يعيش تحت رايةٍ واحدةٍ وبأصواتٍ متعددة. من هنا يبدأ التحدي الأكبر، ومن هنا فقط يمكن أن نربح المستقبل.