يشكل القرار 2797 الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بشأن الصحراء المغربية محطة تاريخية في مسار هذا النزاع الإقليمي الذي طال أمده. كرّس هذا القرار توجهاً متزايداً داخل المجتمع الدولي نحو اعتبار مبادرة الحكم الذاتي التي اقترحتها المملكة المغربية سنة 2007 الحلّ السياسي الواقعي والوحيد القابل للتطبيق . قبل هذا التتويج الدولي لمشروعية حق المغرب في سيادته على كامل أراضيه بما فيها الحراء المغربية، توالت الاعترافات الدولية كان من أبرزها الموقف الأمريكي والتحول الإسباني في الموقف الرسمي لصالح المبادرة المغربية كخطوة دبلوماسية نوعية تفتح آفاقاً جديدة للعلاقات الثنائية وللتعاون الثلاثي بين مدريد والرباط وواشنطن.
تبني الحكومة الإسبانية لموقف يؤكد أن مبادرة الحكم الذاتي تشكّل “الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية” لحل نهائي لقضية الصحراء يعكس تحوّلاً عميقاً في مقاربة مدريد تجاه منطقة المغرب الكبير وشمال إفريقيا. لم يكن مجرد تعديل في الخطاب، بل أصبح اختياراً استراتيجياً يوازن بين متطلبات الأمن والاستقرار ومصالح التنمية المشتركة. هذا التحول يعبر عن إدراك متزايد لدى النخبة السياسية الإسبانية بأن الرهان على حلول انفصالية أو كيانات هشة لن يؤدي إلا إلى زعزعة استقرار المنطقة وخلق فراغات أمنية خطيرة.
يأتي القرار 2797 ليدعم هذا التوجه الواقعي من خلال التأكيد على العملية السياسية تحت رعاية الأمم المتحدة، ورفض أي مقاربات متطرفة تهدف إلى تقسيم الدول أو إنشاء كيانات وهمية غير قابلة للحياة.
يستند التقارب المغربي الإسباني إلى شبكة من المصالح المشتركة، مكافحة الإرهاب في الساحل، ضبط تدفقات الهجرة غير النظامية، تعزيز الأمن الطاقي، وتنمية البنى التحتية العابرة للبحر الأبيض المتوسط. القرار الأممي الأخير يمنح هذا التعاون إطاراً شرعياً وسياسياً واضحاً.
من منظور مدريد، الانفتاح على الرباط لا يُعد مجرد خيار واقعي، بل فرصة لتعزيز موقعها في المثلث الاستراتيجي مدريد–الرباط–واشنطن. الولايات المتحدة، التي دعمت الخطة المغربية للحكم الذاتي منذ إدارة ترامب واستمر دعمها في عهد بايدن، ترى في إسبانيا شريكاً أوروبياً قادراً على لعب دور الوسيط بين أوروبا والعالم المغاربي. وفي هذا السياق، يمكن لإسبانيا أن تصبح عنصراً محورياً في تعزيز الاستقرار والازدهار في غرب البحر الأبيض المتوسط.
يبرز التحول الإسباني بشكل أوضح عند مقارنته بالنهج الفرنسي. فبينما تبنت مدريد واقعية براغماتية تقوم على التعاون واحترام المصالح المشتركة، اعتمدت باريس قبل الإعلان عن دعمها للمقترح المغربي أسلوب دبلوماسي يتسم بالضغوط والمقايضات، ويستند إلى بقايا عقلية استعمارية قديمة.
إسبانيا اختارت الواقعية التعاونية القائمة على الشراكة والمصالح المتبادلة، أما فرنسا فتمارس واقعية مشروطة تغلب عليها أحياناً نزعة “الوصاية” السياسية والاقتصادية. هذا الفارق جعل من إسبانيا شريكاً موثوقاً لدى المغرب والولايات المتحدة، في حين تتراجع مكانة فرنسا تدريجياً في المشهد الإقليمي لصالح قوى أكثر مرونة وتوازناً.
رغم الجدل الداخلي في إسبانيا، لم يُظهر حزب الشعب الإسباني رغبة في التراجع عن الموقف الجديد من قضية الصحراء. الحزب الاسباني اليميني المحافظ يُدرك، أكثر غيره من القوى الاسبانية الرئيسية، أن المصالح الوطنية والأمن الإقليمي يفرضان الحفاظ على هذا التوجه، خاصة وأن واشنطن تعتبره جزءاً من هندسة أمنية أوسع في المنطقة. ولذلك، حتى لو وصل الحزب إلى الحكم ـ مُنتظر وصوله قريبا ـ ، فلن يغيّر جوهر الموقف، بل سيواصل الخط نفسه وفق ما تمليه الواقعية الأطلسية.
أما اليسار الراديكالي، الذي كان يرفع في الماضي شعار “حق تقرير المصير”، فقد بات أكثر صمتاً، وربما أكثر اقتناعاً بأن إنشاء “دولة مصطنعة” في منطقة حساسة كهذه لن يكون سوى وصفة للفشل والفوضى، وأن مبادرة الحكم الذاتي تشكل الإطار العملي الوحيد القادر على ضمان كرامة الساكنة واستقرار المنطقة.
نحو علاقة استراتيجية جديدة
تتهيأ إسبانيا اليوم للعب دور محوري في بنية جيوسياسية جديدة تتشكل في الضفة الغربية من المتوسط. تعزيز التعاون الاقتصادي والأمني مع المغرب يتزامن مع تعميق التنسيق مع الولايات المتحدة، التي تنظر إلى التحالف الإسباني المغربي كضمانة لاستقرار الضفة الجنوبية ولتطويق التهديدات الصاعدة في الساحل.
إن التحول الإسباني ليس مجرد تعديل ظرفي في المواقف، بل خيار استراتيجي طويل الأمد يقوم على الواقعية والمسؤولية. إنه إعلان لنهاية مرحلة من التردد وبداية شراكة قائمة على الوضوح والمصالح المشتركة.
القرار الأممي 2797 لا يمثل نهاية النزاع بقدر ما يؤسس لمرحلة جديدة تُبنى على التعاون واحترام السيادة ووحدة التراب الوطني المغربي. وهكذا، تُعطي الدبلوماسية الإسبانية، بخلاف الفرنسية، إشارات واضحة أنها تجاوزت منطق الهيمنة القديمة لتتبنى واقعية بنّاءة تُسهم في استقرار المنطقة وتُعزز مكانة مدريد كلاعب متوازن في المثلث الاستراتيجي مدريد–الرباط–واشنطن.
Comments 1
رؤية دقيقة وتحليل راقٍ يبرز كيف انتقل الموقف الإسباني من التردد إلى الواقعية الاستراتيجية. القرار 2797 جاء ليؤكد هذا التحول ويكرّس مبادرة الحكم الذاتي كحل وحيد وواقعي يضمن الاستقرار الإقليمي ويعزّز الشراكة المغربية-الإسبانية. أحسنت التحليل والتأطير.