في كل دولة تسعى إلى ترسيخ دولة الحق والقانون، يُفترض أن يكون الجميع سواسية أمام العدالة، مهما كانت مواقعهم أو مسؤولياتهم. فالقانون، في جوهره، لا يعرف الألقاب ولا المناصب، بل يضع معيارًا واحدًا هو احترام المال العام والالتزام بالشفافية. غير أن المشهد المغربي اليوم يثير أكثر من علامة استفهام حول مدى تفعيل هذا المبدأ على أرض الواقع.
ففي الوقت الذي تتسارع فيه قرارات عزل ومتابعة رؤساء جماعات محلية بتهم تتعلق بتبديد المال العام أو منح رخص غير قانونية وغيرها…. ، نادرًا ما تُسمع أخبار عن محاسبة وزراء أو مسؤولين كبار في قضايا مشابهة، رغم حجم الموارد والمشاريع التي يشرفون عليها. هذا التفاوت في تطبيق العدالة يخلق انطباعًا عامًا بأن القانون يُطبّق فقط على الحلقة الأضعف، بينما يظل كبار المسؤولين بمنأى عن المتابعة القضائية.
رؤساء الجماعات المحلية هم الأكثر قربًا من المواطنين والأكثر خضوعًا للمراقبة اليومية، ما يجعل اختلالاتهم أكثر وضوحًا للرأي العام. لكن ضعف حمايتهم السياسية مقارنة بالمسؤولين المركزيين يجعلهم أيضًا أهدافًا سهلة للمساءلة، فيتحول بعضهم إلى أكباش فداء تُقدَّم لتلميع صورة الدولة في محاربة الفساد، دون أن تمتد يد العدالة إلى المستويات العليا حيث تُتخذ القرارات الكبرى وتُصرف الميزانيات الضخمة.
وفي خضم هذا النقاش، برز تصريح وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت أثناء مناقشة مشروع قانون المالية بمجلس النواب، حين قال بعبارة صريحة أثارت الانتباه:
“اللي دا شي طرف ديال الأرض يرجعها”.
تصريح الوزير يحمل رسالة واضحة: لا أحد فوق القانون، وكل من استولى على مال أو عقار عمومي يجب أن يعيده. غير أن تطبيق هذه القاعدة لا يمكن أن يقتصر على المنتخبين المحليين، بل ينبغي أن يمتد إلى كل من ثبت تورطه، أياً كان موقعه. فمحاربة الفساد لا تكون بالشعارات ولا بالاستهداف الانتقائي، بل بإرساء عدالة شاملة تُعيد الثقة في المؤسسات.
صحيح أن الفساد المحلي أكثر وضوحًا لأنه يمس حياة الناس اليومية مباشرة، لكن التركيز عليه وحده يُفرغ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة من معناه الحقيقي. فالمساءلة السياسية، التي يخضع لها الوزراء وكبار المسؤولين، لا يمكن أن تكون بديلًا عن المساءلة القضائية عندما يتعلق الأمر بالمال العام.
ورغم ما يعتري المشهد من تناقضات، يبقى الأمل معقودًا على القضاء المغربي لترسيخ مبدأ المساواة أمام القانون، وتكريس قضاء نزيه يُعيد الثقة إلى المواطنين ويُرسّخ دولة القانون التي يسير المغرب بثبات نحوها، حيث تكون المحاسبة وسيلة للإصلاح، لا مجرد مناسبة لتقديم أكباش فداء.