ثمة شيء يثير الضحك المُبكي كلما خرج رئيس الحكومة الإسبانية الأسبق خوسيه ماريا أزنار ليشرح للعالم نظريته العبقرية حول ‘الهجرة القابلة للاندماج، وتلك غير القابلة للاندماج.
في عالم أزنار البسيط جدا، يكفي أن يكون المهاجر من أمريكا اللاتينية ومسيحيًا ليذوب فورًا في المجتمع الإسباني كما يذوب السكر في القهوة… أما إذا كان مسلمًا، فبحسب منطقه العجيب، يتحوّل وجوده فجأة إلى مادة مثيرة لـ”حساسية وطنية” حادّة لدى الإسبان. نظرية لا تنقصها سوى أن يضيف إليها رسمًا بيانيًا يشرح كيف يقيس هذه الحساسية!
مُثير للسخرية فعلاً أن يَصدُر هذا الكلام من “زعيم” يميني في بلد طرد المسلمين واليهود بالجملة قبل أربعة قرون، وأن يشكو اليوم من أن “ المهاجرين المسلمين لا يندمجون”.
المفارقة أن إسبانيا التي يتحدث باسمها أزنار — تلك التي ارتكبت في الماضي ما وصفه خوان غويتيسولو بأنه أكبر عملية اقتلاع ديني وعرقي وثقافي في تاريخها بإقصاء اليهود والمسلمين ومحو إرثهم — تتظاهر اليوم، عبر خطاب أزنار نفسه، بأنها ضحية “صدمة حضارية”. كأن بلدًا بنى جانبًا من تاريخه على الطرد والتنميط أصبح فجأة يرتجف من خطر التنوّع الذي لطالما كان جزءًا من نسيجه الحقيقي.”
لا بأس…نعرف أن أزنار لا يحب التفاصيل.
ولا يحب التاريخ.
ولا يحب أي شيء يعكر عليه متعة إطلاق الأحكام من أعلى صهوة جهله.
الطرد الجائر والعنيف للموريسكيين سنة 1609 — ذلك القرار العبقري الذي أفرغ مناطق كاملة من سكانها ودمّر اقتصادها — لا يزال في الذاكرة الإسبانية مُحرجاً لدرجة أن اليمين المسيحي المتطرف يفضّل التظاهر بأنه لم يحدث.
لكن أزنار يصرّ على تقديم بلاده كمثال في “الاندماج” و“التعايش”… كأن القرون الماضية كانت مجرد عطلة طويلة على سواحل المتوسط.
حين يتحدّث التاريخ على لسان من لا يقرأه ـ أزنار نمودجاً ـ، يصبح المشهد عبثياً؛ حتى يتجرأ زعيم الكتائب الجُدُد ليُسوّق فكرة أن المسلم كائن غير قابل للاندماج! يا للعجب… كيف لمن يجهل أبسط حقائق التاريخ أن ينصّب نفسه حكماً على حضارة ساهمت في تشكيل جزء كبير من تراث الإنسانية ومن هوية وطنه؟
يا لها من ذاكرة مثقوبة.
لو أنّ أزنار قرأ صفحة واحدة من تاريخ بلده، لكانت حرب 1936 تكفي لإغلاق فمه إلى الأبد.
فاليمين الانقلابي — أجداد التيار السياسي الذي ينتمي إليه أزنار — استقدم عشرات الآلاف من المجندين المغاربة ليقاتلوا معه ضد الجمهورية، أي ضد الشرعية القائمة التي انقلب عليها الدكتاتور فرانكو.
نعم، “المورو” الذي كان لعقود “عدواً حضارياً” صار بين ليلة وضحاها “مُنقذ” عندما احتاجهم اليمين الإسباني الفاشي.
لكن أزنار يُفضّل النسخة المختصرة والمعدّلة حسب ذوقه:
– المسلم اليوم: كارثة حضارية
– المسلم بالأمس:من يكون؟ لا نذكره، لا نعرفه، لم يكن موجوداً أصلاً..
وا عجباه..
أزمة أزنار ليست مع المسلمين… بل مع الحقيقة.
ومشكلته ليست الخوف على إسبانيا… بل الخوف من فقدان أهميته السياسية.
خطاب “الخطر الإسلامي” يمنحه فرصة ليبدو وكأنه حارس الحضارة الغربية، والزعيم الروحي والوهمي لليمين الاسباني بتعدُّد مشاربه وتياراته.
اليمين الذي يمثله أزنار يتعامل مع “المسلم” كأنه مادة لرسائل التخويف الانتخابي، لا أكثر.
أحيانا شبح، مرة خطر، وأحيانا عدو، حسب الموسم السياسي.
أما الحقائق؟ فهي خارج الخدمة.
وإن أردنا مثالاً حيّاً على العقلية المسرحية لدى أزنار، فما علينا إلا أن نستعيد مهزلة جزيرة بيريخيل المغربية عام 2002. صخرة بالكاد تُعادل مساحة ملعب كرة قدم، حوّلها أزنار إلى “ملحمة حضارية” بين إسبانيا والمغرب. استنفر الجيش والدبلوماسية والطائرات، وكأنه يستعيد فردوساً مفقوداً، بينما الحقيقة أنها مجرد حجرة قاحلة… لا ماء فيها ولا حياة، ولا حتى الماعز تجد فيها ما يغري بالوقوف!
حادثة تُذكر اليوم كأفضل تعريف لشخصية أزنار، رجل من خيال سيرفانطيس، يصنع الأزمات من الهواء، والأعداء من الظلال، والبطولات من جزيرة لا مكان لها على الخريطة.
لعلّ من المُفيد التذكير بأن اليمين الإسباني—باستثناء نظيره الكطلاني والباسكي والليبرالي—يحمل في عمقه ترسّبات ماضٍ فرانكوي طويل، مهما حاول التبرؤ منه. إنه يمينٌ صاغته طبيعة خاصة من التاريخ، يمينٌ لا يشبه الأوروبيين المحافظين بقدر ما يشبه ظلال الماضي التي أبت أن لا تُغادر. مكر التاريخ هنا لافت؛ إذ يقدّم لنا يميناً لا يزال يتعامل مع العالم وكأن عقارب الساعة توقّفت عند منتصف القرن العشرين، رغم محاولاته التجمّل بخطاب عصري لا يخدع إلا من لا يقرأ السطور الخلفية.
ليس خافيًا أن الخطر الحقيقي لا يكمن في المهاجرين المسلمين، بل في خطابات اليمين الذي ينتمي إليه أزنار؛ خطاباتٌ تنفخ الغبار من قبور التاريخ، وتزرع خيام الخوف في رؤوس الناس. إنها عقلية لا تُجيد سوى إغلاق الأبواب أولًا… ثم الندم لاحقًا.
والأكثر عبثًا من هذا كله إصرار أزنار ومن يسيرون خلفه على توزيع شهادات ‘الاندماج’ وكأنهم لجنة قبول في نادٍ مغلقٍ لا يدخله إلا أصحاب الدم المصفّى والهوية المختارة… بينما تاريخ إسبانيا نفسه يصرخ بالعكس، ويحذّر من أن العودة إلى هذا المنطق هي التهديد الحقيقي لاستقرار ووحدة إسبانيا التي نحبها.
والمفارقة الأكبر أن التقارير الرسمية الإسبانية والأوروبية اليوم تُؤكد أن المهاجر المغربي لم يعد مجرد عامل وافد، بل عنصرٌ أساسي في نمو الاقتصاد الإسباني. من سدّ فجوات سوق العمل إلى المساهمة في نظام التقاعد الذي يستند أكثر فأكثر إلى قوة عمل شابة… من الملاعب التي امتلأت بأسماء مغربية متألقة إلى فضاءات الريادة والابتكار. ومع ذلك، يبدو أن أزنار ما يزال يقرأ العالم بعينٍ عالقة في وصايا إيزابيل الثانية، بدل أن ينظر إلى إسبانيا الحية التي تتجدد بأبنائها… وبمن يختارونها وطنًا.