لا أعتقد أنني أمتلك أدوات القراءة الشعرية المتعمقة، ولا أكتب الشعر ولا أجيده. والقانوني عموما بعيد نسبيا عن عالم الشعر، ولم اكتب ابداعيا الا ادب الرحلات. لكن عندما قرأت ديوان «حب في زمن الوباء» للأستاذة وفاء الفيلالي، استفزتني إيجابا مصطلحات هذا الديوان، واللوحات الفنية، والترجمات التي تضمنها، بالإضافة إلى الخلفية العلمية لصاحبته.
تكتسبُ كتابةُ الشعر من طرف امرأة قانونية أو سياسية، أو أستاذة في علم السياسة، أهميةً خاصة لأنها تمثل التقاءً نادراً بين عالمين يُخيَّل عادةً أنهما متباعدان: عالم القانون والسياسة، بعقلانيته وصلابته وصرامته المفهومية، وعالم الشعر، برحابة خياله ودفء لغته وقدرته على إعادة تشكيل الوجود. حين تكتب امرأة تعمل في فضاءات السلطة والمؤسسات نصاً شعرياً، فهي لا تضيف صوتاً جديداً إلى المشهد الأدبي فحسب، بل تنقل التجربة الإنسانية داخل هذه الفضاءات إلى مستوى أكثر شفافية وحساسية.
بذلك قد يتحول القانون، الذي كثيراً ما يبدو جافاً ومحايداً، إلى مادة نابضة بالحياة، وتصبح السياسة بما فيها من صراع ومساومة وتوتر حقلًا قابلاً للتأمل الشعري. انها تجربة فريدة على تحويل مفاهيم مثل العدالة والحرية والشرعية والحق إلى صور شعرية لافتة، بل أحيانا حتى بعض المفاهيم من حقل الجريمة وعلمها، لتصنع لغة تجمع بين الدقة الفكرية والحميمية الوجدانية. وبذلك يتحول شعرها إلى جسر يربط المعرفة العلمية بالرؤية الإنسانية، ويمنح المتلقي فرصة نادرة لترى العالم السياسي والقانوني بعينٍ قادرة على النقد والإنصاف، وعلى تحويل التجربة اليومية المُثقلة بالمسؤولية إلى فعل جمالي يضيء زوايا جديدة في فهم الحياة والذات.
يأتي ديوان “حبّ في زمن الوباء”—الذي خطّته أستاذة علم السياسة الدكتورة وفاء الفيلالي —كعمل شعري يتجاوز حدود البوح العاطفي، ليقدّم شهادة إنسانية وفكرية عن مرحلة أثّرت في الوجدان العالمي. منذ عنوانه، يرسم الديوان مفارقة لافتة تجمع بين الحبّ بما يحمله من اقتراب ودفء، والوباء بما يرمز إليه من خوف ومسافة وحصار. هذا التوتر يهيّئ القارئ للدخول إلى عالم شعري يبحث عن معنى القرب في زمن العزلة، وعن دور العاطفة حين تتراجع البديهيات الإنسانية أمام تهديد غير مرئي.
تقدّم الشاعرة وفاء الفيلالي الحبّ في زمن الوباء ليس كحالة وجدانية فحسب، بل كخيار وجودي وموقف مقاوم. تظهر القصائد كمساحات تُقاوم الانطفاء، وتعيد للذات قدرتها على التمسك بالآخر رغم المسافات. يعكس الديوان إحساساً عميقاً بالهشاشة الإنسانية، وبالأسئلة التي فجّرها الوباء حول الوحدة، الفقد، وإعادة تشكيل العلاقات.
خلفية الشاعرة القانونية والسياسية تمنح النصوص عمقاً إضافياً. فالقصائد لا تكتفي بالتعبير عن المشاعر، بل تلامس قضايا تتعلق بالجسد، بالحرية، وبالسلطة وبالله بالخالق في زمن الطوارئ.
يتميّز هذا الديوان بثراء بصري وثقافي نادر، إذ يضمّ ترجمات متعددة لعدد من القصائد إلى لغات مختلفة، ما يجعله عملاً عابراً للحدود الثقافية. هذه الترجمات ليست مجرد إضافة شكلية، بل تمثل رغبة واعية في توسيع أفق التلقي، وفي تأكيد أنّ التجربة الشعرية—والإنسانية—تتجاوز اللغة الأم. وهكذا تتحول القصيدة إلى كائن حي يعبر إلى قارئ آخر وصوت آخر وتأويل جديد.
كما يحتوي الديوان “حبّ في زمن الوباء للدكتورة وفاء الفيلالي ” على لوحات فنية وأسماء فنانين، ما يمنح النصوص بعداً بصرياً موازياً. هذا الحضور يجعل من الديوان عملاً متعدّد الوسائط يحاور فيه الشعرُ الفنَّ التشكيلي، وتتكامل فيه الكلمة مع الصورة لتقديم تجربة حسية كاملة. إنه احتفاء بالجمال في زمن يغلب عليه الخوف، وتأكيد على أنّ الفنّ لا يغيب في الأزمات، بل يشتدّ حضوره.
لا يفوتني الوقوف عند المجهود التوثيقي فمن خلال هذا الديوان، الترجمات، اللوحات، والإشارات الفنية المتنوعة، يقدم الديوان نفسه كنوع من الأرشفة الجمالية للحظة استثنائية عاشها العالم. فالجانب التوثيقي لا يقل أهمية عن الجانب الأدبي؛ إذ يتحوّل الديوان إلى سجلّ وجداني وثقافي يجمع بين التجارب الفردية والسياق العالمي للجائحة. بهذا يصبح “حبّ في زمن الوباء” وثيقة إنسانية تحفظ أثر العاطفة والأسئلة الكبرى في زمن الأزمة.
“حبّ في زمن الوباء” ديوان يذكّرنا بأن الإنسان، مهما ضاقت به الأزمنة، يظل يبحث عن نورٍ ما—في كلمة، في صورة، أو في قلب آخر.