في لحظة اختلط فيها الصمت بالنحيب، استفاقت مدينة فاس فجر العاشر من ديسمبر 2025 على واحدة من أقسى فواجعها. ففي حي المستقبل بمنطقة المسيرة، انشقت الأرض عن خرابها وانهارت بنايتان سكنيتان متجاورتان، كل منهما من أربعة طوابق، لتتحول في ثوان إلى ركام يغطي أجساداً وأحلاماً وذكريات. ووفق الحصيلة الرسمية الأولية، فقد خلف الانهيار رحيل 22 مواطناً وإصابة 16 آخرين بجروح متفاوتة الخطورة، في مشهد يعجز اللسان عن وصف قسوته.
لم تمض دقائق حتى ملأت صفارات الإنقاذ المكان، وهرعت عناصر الوقاية المدنية لانتشال العالقين تحت الأنقاض ونقل الجرحى إلى المركز الاستشفائي الجامعي بفاس، بينما كانت أعين الأهالي تتشبث ببقايا الأمل وسط كومة الإسمنت والحجارة. وفي موازاة ذلك، أمرت النيابة العامة بفتح تحقيق عاجل لتحديد خلفيات الحادث وملابساته.
ورغم أن الأسباب النهائية لم تحسم بعد، تتجه التحقيقات نحو تمحيص وثائق البناء والمخططات الهندسية، والبحث في احتمال وجود تعديلات غير مرخصة أدخلت على البنايتين. تقارير أولية رجحت أن يكون المبنيان قد تحملا طوابق إضافية غير مصرح بها، لأن التصاريح الأصلية لم تتجاوز طابقين، وهو ما قد يكون أضعف سلامتهما الهيكلية، رغم تأكيد السلطات المحلية أن البناء تم في إطار برنامج لإعادة الإسكان قبل نحو عقدين.
لكن ما يجعل الجرح أعمق هو أن المأساة لم تمس الجدران وحدها… بل امتدت إلى قلوب العائلات التي فقدت نساءً وأطفالاً كانوا في لحظة احتفال عائلي بسيط، قبل أن يتحول الفرح إلى حداد، والضحكات إلى صمت طويل يلف الحي بأكمله.
وتبقى هذه الفاجعة صفعة مؤلمة تذكر بأن سلامة العمران ليست مجرد أوراق تصدق في الإدارات، بل هي أرواح تحفظ ورقاب تصان. لذلك تبرز الحاجة الملحة لتشديد الرقابة على ورشات البناء، ومتابعة صيانة البنايات القديمة، ومنع أي إضافات عشوائية تقام دون دراسة هندسية، مع اعتماد برامج دورية لفحص الأبنية خاصة في الأحياء المكتظة، حتى لا تجد فاس — ولا أي مدينة مغربية — نفسها أمام مأساة مماثلة مرة أخرى.
