إعلامنا العمومي لا يتقدّم، بل يتكرّر؛
لا يُقنع، بل يُلقّن؛
لا يُواكب، بل يُراكم الرتابة على الرتابة.
نفس النشرات، نفس العناوين، نفس الوجوه التي شاخت على الشاشة قبل أن تشيخ في الواقع. خطاب جامد لا يتحرّك، ولغة خشبية لا تتغيّر، وكأن الزمن يمرّ من حوله دون أن يترك أثرًا داخل استوديوهاته.
العالم تبدّل، والمواطن تبدّل، والعقل الجمعي تبدّل…
إلا إعلامنا العمومي، بقي حيث كان، يشتغل بمنطق الأمس، ويُخاطب جمهورًا لم يعد موجودًا. في زمن الصورة الحيّة، يقدّم صورة باهتة؛ وفي زمن السرعة، يبثّ ببطء قاتل؛ وفي زمن الجرأة، يلوذ بالصمت المريح.
إعلامٌ يُموَّل من مال الشعب، لكنه لا يُشبه الشعب.
يأخذ من جيبه، ولا يُنصت إلى صوته.
يطلب ثقته، ولا يمنحه الحقيقة كاملة.
وحين يشتدّ النقاش، يغيب.
وحين تُطرح الأسئلة الكبيرة، ينسحب.
قضايا الوطن تُناقش في قنوات أجنبية، بعقول مغربية، وبلهجة مغربية، بينما القنوات الوطنية تكتفي بدور الشاهد الصامت، أو المعلّق المتأخر.
إعلام لا يسائل، لا يحاسب، لا يُحرج المسؤول،
إعلام يكرّر الخطاب حتى يفرغه من المعنى،
ويعيد الخبر حتى يفقد أثره.
إنه إعلام بلا روح،
بلا مغامرة،
بلا خيال،
وبلا شجاعة.
والنتيجة واحدة: جمهور يعزف، شاشة تُطفأ، وثقة تتآكل.
فمن لا يُجدّد لغته، يُقصي جمهوره؛
ومن لا يحترم ذكاء المواطن، يُحكم على نفسه بالعزلة؛
ومن يخاف من السؤال، لا يستحق أن يُصدّق.
ذلك هو إعلامنا العمومي اليوم:
حاضر بالتمويل،
غائب بالتأثير،
ومؤجَّل بالإصلاح.