المثقّف ” المثقّف فاعل عضويّ أو لا يكون ” قد تسقط عنه الصفة تماما إذا ما استكان و استسلم للطوفان القادم ، فيصير بذلك مثقفا تقليديا يتأثر و لا يؤثّر، من هذا المنطلق و في ظلّ ما تعيشه أقطارنا العربيّة من رجّات و زلزلة قد لا تخفينا أو تربكنا ، و لكن غيّاب المثقف و غياب فعله المجابه لها قد يقضّ مضاجعنا ، و يربكنا” فلا تسقط …لا تسقط…لا تسقط ” كما يقول عبد الرحمان منيف ، لان سقوطك صديقي المثقّف يسقط عنك الصفّة، هيا ” نحّرك المياه الراكدة علّها تصير موجة جارفة ، تقاوم و تجابه الطوفان الداعشي القادم ، عبر هذا الملف الباحث عن ” دور المثقّف في مجابهة الإرهاب ” باعتبارك مثقفة ..كيف تقرأ هذه الظاهرة ؛وهل من مخارج وحلول تقترحها؟
جمال المساوي – شاعر مغربي
نعيش في منطقة متخلفة. لا تهم الأسبابُ، لكنها متخلفة. من نتائج ذلك أن الشعوب، بالرغم من كثرة الكلام، تسير بدون بوصلة، أو ببوصلة مختلة. وهي الحالة ذاتها التي أنتجت الإرهاب وما نشهده من اقتتال وتنكيل.
هناك بالتأكيد هواجس المؤامرة الخارجية، كما جرت العادة، ولكن ما لا ينبغي تجاوزه هو أن ما يقع هو وليد واقع متخلف استعصى على التطور. التطور الذي يحتاج إلى تفكير، والتفكير الذي يحتاج إلى استيعاب العالم وما وصلت إليه البشرية من تقدم. لكن هذا لن يحدث ما دمنا نقرأ بضع صفحات في السنة. لقد حمل “الربيع العربي” آمالا مؤكدة في المرور إلى مرحلة أخرى من التاريخ. كان الأمر بداية لحركة في الاتجاه السليم ربما نحو مستقبل آخر غير الذي ظل دائما مظلما. لكن الشعوب في المنطقة لا تعرف حتى الآن كيف تمسك فعلا برأس الخيط وتتبعه إلى نهايته. وما حدث هو أن غنائم “الربيع العربي” تفرقت بين القبائل، كلٌّ يريد نصيبه حالا وحتى من دون أن تستتب الأمور. باختصار الشعوب التي لا تعرف كيف تتعايش (أو لا تريد) تتنهي إلى إفراز الطوائف والجماعات الإرهابية التي تركب حصان الدين أو العرق أو القبلية وتستعمل ذلك منتهزة الفرص للنهب والغنيمة.في هذه الحالة، وبعيدا عن الأسباب الذاتية المتعلقة أساسا بأمراض وأوهام المثقفين، من الصعب فعلا على المثقف أن يكون مؤثرا لأسباب موضوعية قاهرة ضاغطة. من بين تلك الأسباب، ودون مراعاة ترتيب ما، نذكر أن السلطة في الكثير من بلدان المنطقة كانت من الذكاء بأن تبنت نفس الخطاب الحداثي الذي كان في الماضي مدعاة لالتفاف الناس حول المثقفين، الآن يبدو كما لو أن المثقف يتماهي مع خطاب السلطة التي في الغالب ما ينفر منها الناس بسبب الأفكار المسبقة المترسبة في الأذهان بسبب عوامل تاريخية تتعلق أساسا بالقهر الذي مورس على الشعوب بعد حصول دول المنطقة على الاستقلال.
السبب الآخر المرتبط إلى حد ما بالأول، هو أن الاستعمار والقهر الذي تلا خروجه، عمقا واقع التخلف الذي أثر في الكثير من مناحي الحياة، وبشكل خاص في وضعية التعليم الذي يعيش مآزق عدة في عدد من الدول تؤثر على منتوجه من العقول. التعليم هو الرافعة الأساسية والآلية الكفيلة بإنتاج النخب المفكرة والقادرة على مقاومة كل أشكال الانغلاق. لكن الواقع غير ذلك، وبالتالي لا يمكن للمثقف أن يكون مؤثرا في مجتمع غير متعلم ولا يقرأ.
السبب الثالث، وقد يكون له ارتباط بالأسباب الذاتية التي تجعل المثقف غير قادر على التأثير، هو أن هذا الأخير يعيش في مجتمعات ميالة لتسفيه كل شيء، ولا تعترف بكفاءاتها من المفكرين والأدباء وعموم المثقفين ولا تقيم لهم وزنا. ولنا أن نتأمل حضورهم مثلا في وسائل الإعلام الجماهيرية خاصة التلفزيون بالرغم من تعدد قنواته، مقارنة بالكثير من الرداءة والسطحية والكثير من البرامج والقنوات الدينية التي تساير الهوى العام.
أكيد أن تغير ما تطبع الناس عليه يحتاج إلى وقت ربما يطول. وأكيد أن الإرهاب أضحى ظاهرة يومية ولم يعد كما كان في السابق يضرب ويختفي مما يجعل مقاومته صعبة. هذا الوضع يقتضي عملا كثيرا وجهدا كبيرا، وكما بدأنا سابقا بالسلطة، فعلى هذه السلطة إن كانت فعلا تريد نبني الخطاب الحداثي للمثقف أن تفسح له المجال ليعبر، لا أن تخنقه وتسرق خطابه.عليها أن توفر له الفضاء الحر ليتنفس وليصل بالتالي في يسر إلى الناس. ولعل توفير تعليم راق ومتطور جزء أساسي من هذا العمل.
من جهة أخرى على المثقف أن يشتغل على ذاته، على أوهامه وأمراضه ليعالجها. ذلك سيمكنه من المصالحة مع الناس، وسيعالج لديهم، في حدود معينة ظاهرة التسفيه والتتفيه التي تستولي عليهم في النظر إلى الأشياء بسبب نوع من الثقافة السائدة التي دمرت الذوق وبلدت الحس النقدي لديهم.من جهة ثالثة، لا يخفى ما للإرهاب من آثر على مناخ الأعمال والاقتصاد عموما. معنى ذلك أن رأس المال معنيّ هو الآخر بالمقاومة. ولأن الإرهاب وحده الذي يلجأ للرصاص، فعلى رجال الأعمال أن يلجأوا للفكر، وهو ما يقتضي منهم الاستثمار في انتاج الفكر والمعرفة وفتح المجال أمام المثقف في وسائل الإعلام الجماهيرية التي يملكونها