اللثام التطواني… ذاكرة الأندلس في ملامح امرأة شمالية.

نعيمة آيت إبراهيم

في تطوان، المدينة التي تتكئ على الذاكرة الأندلسية وتتنفس من شرفات التاريخ، لا يعد اللثام مجرد قطعة قماش تلف على الوجه، بل هو لغة صامتة، وهوية بصرية، ومرآة لذوق اجتماعي تشكل عبر قرون. اللثام التطواني، بهذا المعنى، ليس زينة عابرة، بل تقليد راسخ اختزل مفهوم الحشمة والأناقة في آن واحد، وجعل من المرأة التطوانية أيقونة للوقار والرقي.

ظهر اللثام في تطوان متأثراً بالتراث الأندلسي الذي حمله المهاجرون إلى شمال المغرب بعد سقوط غرناطة. ومع الزمن، تماهى هذا اللباس مع الخصوصية المحلية للمدينة، فصار جزءاً من يومياتها ومناسباتها، ومن طقوس خروج المرأة إلى الفضاء العام. كان اللثام يلبس بعناية، وينسق مع الجلابة التطوانية البيضاء أو المزخرفة، ليكتمل المشهد في انسجام بصري يشي بذوق رفيع وحس جمالي متوارث.

يصنع اللثام عادة من قماش خفيف وناعم، غالباً باللون الأبيض أو العاجي، يسمح للمرأة برؤية الطريق دون أن يكشف ملامحها كاملة. وهو لا يخفي بقدر ما يلمح، ولا يحجب الجمال بل يضفي عليه هالة من الغموض الهادئ. في هذا التوازن الدقيق بين الستر والحضور، تكمن فلسفة اللثام التطواني: احترام الذات، وحفظ الخصوصية، دون انغلاق أو تعال.

اجتماعياً، كان اللثام يحمل دلالات تتجاوز المظهر. فقد ارتبط بالنضج، والاحترام، والانتماء إلى العائلات التطوانية المحافظة التي رأت فيه امتداداً لمنظومة قيمية متكاملة. كما كان شاهداً على التحولات التي عرفها المجتمع، إذ رافق المرأة التطوانية في الأسواق، والمناسبات، وحتى في لحظات الفرح والحزن، حاملاً معه هيبة المكان وذاكرة الأجيال.

ومع تسارع وتيرة التحديث وتغير أنماط اللباس، تراجع حضور اللثام في الحياة اليومية، لكنه لم يختف من الذاكرة الجماعية. لا يزال حاضراً في الأعراس التقليدية، والمواسم الثقافية، والصور القديمة التي تحفظ ملامح مدينة كانت ترى في البساطة فناً، وفي الستر جمالاً. بل إن بعض المصممات والمهتمين بالتراث أعادوا إحياءه اليوم، ليس بوصفه لباساً قديماً، بل كرمز لهوية تحتاج إلى من يصونها من النسيان.

اللثام التطواني، في جوهره، حكاية مدينة تعرف كيف تحافظ على روحها رغم تغير الأزمنة. هو درس في الأناقة الهادئة، وفي أن الهوية ليست صراخاً بصرياً، بل همساً عميقاً يترك أثره طويلاً. ومن تطوان، يظل اللثام شاهداً على أن التراث حين يحترم، يتحول من ماض ساكن إلى جمال حي يتجدد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist