مع حلول شهر رمضان من كل عام، تتحول موائد الإفطار في المملكة المغربية إلى لوحات عامرة بالنكهات والروائح الزكية، حيث تتصدر “الحريرة” المشهد، وترافقها أطباق لا يكتمل مذاقها دون الكزبر والمعدنوس والكرافص. غير أن هذه الأعشاب العطرية، التي كانت في متناول الجميع، أصبحت هذا الموسم حديث الأسر والأسواق بسبب ارتفاع أسعارها بشكل لافت.
رمضان ليس مجرد شهر عبادة، بل هو أيضًا موسم استهلاك بامتياز. الطلب على الخضر، خصوصًا الأعشاب الأساسية في الطبخ المغربي، يرتفع بشكل كبير مع الأيام الأولى للشهر الفضيل. هذا الإقبال المكثف يخلق ضغطًا على العرض، فيرتفع السعر تلقائيًا وفق منطق السوق. فحين يزداد الطلب على منتوج سريع التلف وقصير العمر، يصبح التوازن هشًا، وأي نقص بسيط في الكميات ينعكس مباشرة على الثمن.
إلى جانب الطلب المرتفع، تلعب العوامل المناخية دورًا حاسمًا. فالأعشاب كالـكزبر والمعدنوس والكرافص تتأثر بسرعة بتقلبات الطقس، سواء بسبب قلة التساقطات أو موجات البرد أو الحرارة غير المعتادة. أي اضطراب في الإنتاج ينعكس على الأسواق المحلية، خصوصًا في الفترات التي تعرف ذروة الاستهلاك.
ولا يمكن إغفال دور الوسطاء وسلسلة التوزيع. فبين الحقل والمستهلك تمر هذه الأعشاب عبر عدة مراحل: نقل، تخزين، إعادة بيع. وكل حلقة تضيف هامش ربحها، ما يجعل السعر النهائي يفوق بكثير ثمنه الأصلي في الضيعات الفلاحية. وفي مواسم الذروة، قد يستغل بعض المضاربين الظرف لرفع الأسعار بشكل يفوق الزيادة الطبيعية.
هذا الارتفاع يضع الأسر، خاصة ذات الدخل المحدود، أمام تحدٍ يومي في تدبير ميزانيتها الرمضانية. فمواد تبدو بسيطة في ظاهرها، تصبح عبئًا حين تتضاعف أثمانها. ومع ذلك، تحاول العديد من العائلات التكيف عبر شراء كميات أقل، أو التبضع في أوقات مبكرة، أو البحث عن أسواق أقل تكلفة.
يبقى السؤال مطروحًا كل عام: هل الارتفاع أمر موسمي عابر تفرضه قواعد العرض والطلب، أم أنه نتيجة اختلالات أعمق في منظومة التسويق والمراقبة؟ بين هذا وذاك، تظل الأعشاب الخضراء جزءًا لا يتجزأ من هوية المائدة المغربية، حتى وإن أثقلت الأسعار كاهلها مؤقتًا.
رمضان شهر البركة، لكن البركة تحتاج أيضًا إلى توازن في الأسواق… حتى تبقى النكهة حاضرة دون أن تكون الكلفة مُرّة.