هل يراعي دعم قطيع الأغنام الامتداد ما بين استفادة المستهلك وبين سياسة المغرب الصاعد؟ (الحلقة الثانية)

محمد نجيب زغلول

مقدمة

تشير المعطيات الصادرة عن منظمة الأغذية والزراعة إلى أن مؤشر أسعار الغذاء العالمي بلغ 125.3 نقطة خلال شهر فبراير 2026، مسجلاً أعلى مستوى له، مقارنة بـ 124.2 نقطة بعد مراجعتها صعودًا في يناير من السنة نفسها. ويعزى هذا الارتفاع إلى زيادة أسعار بعض السلع الغذائية الأساسية، كالحبوب التي سجلت ارتفاعًا بنسبة 1.1%، مرتبطة أساسًا بزيادة أسعار القمح بنسبة 1.8% نتيجة تأثيرات مناخية سلبية، وما ترتب عنها من مخاطر على المحاصيل في بعض مناطق أوروبا والولايات المتحدة، إضافة إلى المشاكل اللوجستيكي في روسيا والتوترات الجيوسياسية في منطقة البحر الأسود. كما ارتفعت أسعار اللحوم بنسبة 0.8% بفعل زيادة أسعار اللحوم البقرية والأغنام.

وبالانتقال إلى المقارنة الإقليمية والدولية، تشير التقديرات القريبة من سنة 2026 إلى أن متوسط استهلاك الفرد من اللحوم الحمراء في دول المغرب العربي يتراوح بين 15 و18 كيلوغرامًا سنويًا، وهو مستوى يظل معتدلًا مقارنة ببعض الدول ذات الإنتاج المرتفع، مثل الأرجنتين وأستراليا، حيث يتجاوز الاستهلاك 70 إلى 80 كيلوغرامًا سنويًا للفرد. وفي المقابل، توصي بعض الدراسات الطبية الحديثة بخفض استهلاك اللحوم الحمراء، لدواعٍ صحية، إلى مستويات أقل لتصل إلى نحو 15 غرامًا يوميًا أي ما يعادل حوالي 5.5 كيلوغرام سنويًا. وعلى مستوى أنماط الإنفاق، تكشف بيانات سنة 2024 عن تفاوت واضح بين دول شمال أفريقيا في متوسط مشتريات الأفراد من اللحوم الحمراء، حيث تصدرت الجزائر القائمة بمتوسط إنفاق سنوي يبلغ حوالي 150 دولارًا للفرد، تليها تونس بنحو 106 دولارات، في حين سجل المغرب مستوى أدنى، إذ بلغ متوسط الإنفاق حوالي 600 درهم سنويًا للفرد، أي ما يعادل استهلاكًا يوميًا يقارب 14 غرامًا (أو 96 غرامًا أسبوعيًا) او ما يعادل متوسط استهلاك من اللحوم الحمراء سنوياً ما بين 14 و17 كيلوغرام.

****الحلقة الثانية****

الوثيقة 2: وثيقة حكومية رسمية تؤكد ضياع أكثر من 13 مليار درهم من خزينة الدولة قدمتها الحكومة كدعم للمستوردين على شكل إعفاء من رسوم الاستيراد وإعفاء من الضريبة على القيمة المضافة

ومن خلال هذه الأرقام الرسمية، يمكننا الاستخلاص أن الدولة دعمت، في الفترة الممتدة بين 2022 إلى 2024، استيراد الأبقار والأغنام بمبلغ إجمالي مباشر يُقدَّر بأكثر من 13 مليار درهم، اضافة الي دعم مباشر قيمته 500 درهم على ما يقارب 875000 رأس من الأغنام تم استيرادها بين سنتي 2023 و2024، بتكلفة إجمالية بلغت 437.500 مليون درهم. كما قام المستوردون بالاستمرار في استيراد رؤوس الأبقار واللحوم في إطار الحصيلة النهائية لسنة 2025، حيث يُرتقب أن يبلغ إجمالي عدد الرؤوس المستوردة حوالي 280 ألف رأس، في أفق الاقتراب من السقف الذي حددته الحكومة في 300 ألف رأس معفية من من رسوم الاستيراد والضريبة المضافة.

نشأة، صاعد الجدل وتضارب التصريحات حول دعم استيراد المواشي

بدأ الجدل السياسي حول سياسة الدعم الحكومي لاستيراد الأبقار والأغنام الموجهة للاستهلاك في المغرب داخل مجلس النواب، وتحديدًا منذ 02 نونبر 2024، خلال جلسة المساءلة الشهرية لرئيس الحكومة. وقد تحول إجراء دعم استيراد الأغنام بمناسبة عيد الأضحى الأخير إلى محور صراع سياسي بين الأغلبية والمعارضة، في وقت كان فيه الرأي العام ينتظر توضيحات رسمية تنهي تضارب الأرقام. ولقد أثارت آنذاك أحزاب المعارضة قضية الدعم العمومي لاستيراد المواشي، وكشفت، المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، عن تخصيص ما يقارب 13 مليار درهم لهذا الغرض، منتقدةً سياسة تشجيع الاستيراد على حساب الإنتاج الوطني. وقد أُعيد طرح هذا المعطى خلال الندوة الصحفية التي نظمها الحزب يوم 11 نونبر 2024، في سياق مناقشة مستجدات مشروع قانون المالية لسنة 2025، حيث تم التأكيد على أن هذه المبالغ الضخمة خُصصت لمواجهة ارتفاع الأسعار وتراجع القطيع الوطني. وفي هذا الإطار، كانت الحكومة قد لجأت إلى فتح باب الاستيراد لتلبية الطلب المرتبط بعيد الأضحى، الذي يصل سنويًا إلى حوالي 6 ملايين رأس من الأغنام والماعز، مع منح دعم جزافي يصل إلى 500 درهم عن كل رأس، إضافة إلى إعفاءات من الرسوم الجمركية.

وفي مرحلة لاحقة، أدلى وزير التجهيز والنقل والأمين العام لحزب الاستقلال، أحد مكونات الأغلبية الحكومية، بتصريحات كشف فيها أن 18 شخصًا استفادوا مما يفوق 13 مليار درهم من هذا الدعم، وهو ما أثار ردود فعل قوية داخل المشهد السياسي، خاصة من طرف قيادات حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي يقود الحكومة منذ سنة 2022

وفي سياق التفاعل مع هذه التصريحات، نفى رئيس مجلس النواب، القيادي في حزب التجمع الوطني للأحرار، الأرقام المعلنة، مؤكدًا أن حجم الدعم لا يتجاوز 300 مليون درهم، وأنه موزع على أكثر من 100 مستورد. كما أوضح أن الاستفادة تمت وفق مساطر قانونية عبر آلية طلبات العروض، مع استيفاء الشروط المطلوبة، نافيًا وجود أي تركّز للدعم أو شبهات ارتباطه بجهات معينة. غير أن هذه الرواية سُرعان ما تم الطعن فيها استنادًا إلى معطيات رسمية، كشف عنها وزير الاقتصاد والمالية السابق، الذي أكد بناءً على وثيقة حكومية أن حجم الدعم الموجه لاستيراد المواشي بلغ حوالي 13 مليار درهم إلى حدود أكتوبر 2024، وهو رقم مرشح للارتفاع بالنظر إلى استمرار العمل بهذه السياسة خلال سنة 2025.

وقد تعزز هذا الطرح بمواقف أحزاب معارضة أخرى، من بينها حزب التقدم والاشتراكية، التي اعتبرت أن الوثائق الرسمية تتعارض مع الأرقام التي تقدمها الحكومة ورئيس مجلس النواب. واستمر هذا الجدل في سياق النقاش البرلماني الذي رافق دراسة مشروع قانون المالية لسنة 2025، حيث طالبت الفرق والمجموعة النيابية الحكومة بتقديم معطيات دقيقة حول هذا الملف، لترد هذه الأخيرة بوثيقة رسمية بعنوان: “المعطيات والبيانات المطلوبة من طرف الفرق والمجموعة النيابية بمجلس النواب في إطار مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2025”، والتي تم اعتمادها في هذا التقرير. (الوثيقة 1 والوثيقة 2).

وفي خضم هذا الجدل، تمسكت أطراف المعارضة بما سمته “يقينية 13 مليار درهم “، وعلى رأسها حزب التقدم والاشتراكية والذي حدد الكلفة الحقيقية للإعفاءات الضريبية المتعلقة باستيراد الأغنام والأبقار في13.3 مليار درهم بالضبط والذي لا يقتصر على استيراد الأغنام، بل يشمل أيضًا دعم استيراد الأبقار. وتحدث الامين العام لحزب التقدم والاشتراكية عن خسارة الميزانية العامة للدولة برسم الدعم الجزافي عن استيراد الأغنام بمناسبة عيد الأضحى لسنة 2024 تصل إلى 237 مليون درهم؛ وهو رقم مستنبط من قانون المالية. كما تشير الوثيقة الرسمية التي قُدّمت للبرلمان لتخصيص مبلغ 5.3 ملايين درهم لاستيراد رؤوس الأغنام في الفترة ما بين فبراير 2023 وأكتوبر 2024، كخسارة من مداخيل رسوم الاستيراد وتحمل الدولة للضريبة على القيمة المضافة عند استيراد الأغنام. وهو ما زاد من حدة الجدل حول دقة الأرقام المتداولة وتباينها بين مختلف الأطراف

تعليقاً على هذه الأرقام، يقول وزير الاقتصاد السابق وعضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية كون الحكومة قد حرمت خزينة الدولة من أكثر من 13 مليار درهم، وهو مبلغ ضخم، وأن المستفيد الأكبر منه هو المستورد وليس المواطن. وأوضح أن المستوردين كانوا سيقومون بعملية الاستيراد في جميع الأحوال بسبب حاجة السوق الوطنية، خاصة في ظل تراجع القطيع، وهو ما تؤكده معطيات وزارة الفلاحة، إضافة إلى قرار إلغاء شعيرة ذبح الأكباش في عيد الأضحى لسنة 2025. غير أن استيراد هذه الأضاحي من دول أوروبية، مثل رومانيا وإسبانيا، لم ينعكس إيجابًا على الأسعار، رغم الإعفاء من الرسوم والضريبة على القيمة المضافة، حيث ارتفعت أسعار اللحوم الحمراء من حوالي 60–65 درهمًا إلى 120 درهمًا، أي ما يقارب الضعف، كما تضاعفت أسعار أضاحي العيد خلال السنتين الأخيرتين إذ بيعت بأثمنة جد مرتفعة، ولم يشعر المستهلك بأي تحسن، الأمر الذي يؤكد أن المستفيد الوحيد هم المستوردون وليس المواطن العادي، مما فتح الباب أمام اتهاماتهم هم والحكومة المتواطئة معهم. مما يؤكد فشل هذا الإجراء بشهادة من المعارضة وهو ما أكدته أيضًا بعض الأطراف داخل الأغلبية.

فضيحة دعم استيراد الماشية: من فضائح زواج المال بالسلطة في دعم “الفراشية” الى تكريس الدعم القانوني من طرف المؤسسة التشريعية لسياسة الريع

وأشار رئيس المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية بمجلس النواب إلى تضارب في ارقام الإحصاء الأخير الذي أجرته وزارة الداخلية وكشف عن وجود خطأ في أرقام القطيع الوطني من رؤوس الأغنام، مبرزا أنه وبخصوص الأبقار سجل الجهاز الحكومي وجود خصاص يقدر بنحو 150 ألفا، غير أنه في مجلس المستشارين صرح بأن الخصاص هو 300 ألف؟؟. ولوحظ ان هناك ارتفاع متنام لعمليات الاستيراد نظرا للامتيازات الحكومية والتي تضاعفت منذ ذلك الحين، مما يؤشر على أن كلفتها قد تفوق 20 مليار درهم مستقبلا وتزامن ذلك مع دعوات من أحزاب المعارضة إلى تشكيل لجنة لتقصي الحقائق. وتصاعدت الاتهامات بعد طلب الأغلبية تشكيل مهمة استطلاعية بدلا من لجنة تقصي حقائق بشأن كلفة دعم استيراد المواشي، الا ان الحكومة تهربت من هذا الاجراء الرقابي واشارت من خلال ناطقها الرسمي أن اختيار الآلية الرقابية المناسبة يبقى من اختصاص البرلمان ولا دخل للحكومة فيه.

إن الدعم العمومي الموجه لاستيراد المواشي لم يُحقق أهدافه المعلنة، سواء في التحكم في الأسعار أو حماية القدرة الشرائية للمواطنين أو الحفاظ على القطيع الوطني، بل تحوّل إلى مصدر أرباح طائلة لفئة محدودة، دون أثر ملموس على السوق. وحسب المعطيات الرسمية تُشير إلى أن 10.7% فقط من المتقدمين بطلبات الاستيراد استفادوا وقاموا فعليا باستيراد الأبقار أو الأغنام مستفيدين من الامتيازات المقررة، كما أن 40% من الشركات المستفيدة فعليا لا علاقة لها أصلا بقطاع اللحوم أو المواشي، إذ تم إنشاؤها خصيصا بعد الإعلان عن العملية أو غيّرت نشاطها للغرض ذاته. وأوضح أن الأرقام التي بحوزته مستمدة من وثائق رسمية صادرة عن وزارة الاقتصاد والمالية ومتعلقة بمشروع قانون مالية 2025، وتم توزيعها على النواب خلال مناقشة.

وفي خضم الجدل الدائر حاولت الحكومة التمويه للتقليل من حجم الدعم المبالغ فيه وحجم الخسائر التي تكبذتها الخزينة العمومية، اذ قدمت رقمين مختلفين عن استيراد الأغنام، الأول في الوثيقة التي قدمتها للجنة المالية لتفسير بعض الأرقام والمعطيات، والثاني في بلاغ رسمي صدر عشية 2 مارس 2025. ومرد هذا التباين في الأرقام، راجع الى تجاهل الدعم الذي قدمته الدولة على شكل إعفاء من رسوم الاستيراد والضريبة على القيمة المضافة على كل من الأغنام والأبقار والجمال في البيان الحكومي، تركيزها فقط على الدعم المادي والذي حدد ب 500 درهم على كل رأس غنم فقط.

وللأسف فرغم ان المستوردين قد حصلوا على دعم حكومي ب 500 درهم عن كل رأس؛ الا أنهم قاموا ببيع كل رأس بكلفة 2000 غنم بثمن مضاعف في في السوق وقد يتجاوز احيانا 4000 درهم. ولحد الان مازال ثمن اللحوم الحمراء يصل إلى 120 درهما في السوق، كما أن الكبد الذي يكلف سعر استيراده 3 دراهم للكيلوغرام يتم عرضه أمام المواطنين بقيمة 170 درهما رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية. وقد لا يقف هنا جشع هؤلاء “الفرا قشية” حيث اشار احد برلماني المعارضة إلى أن هذا الدعم قد استفاد منه بالأساس 18 شخصاً ينتمون إلى الحزب الذي يقود الحكومة حاليا، وهو ما أثار حفيظة باقي مكونات أحزاب الأغلبية، وتشير مصادر داخل المعارضة إلى أن هذا الملف يشهد ضبابية في المعطيات المتعلقة بكلفة الاستيراد، وهوية المستفيدين من الدعم العمومي، وكيفية التوزيع، فضلا عن تساؤلات متكررة بشأن معايير اختيار المزودين، وشبهات غياب العدالة التنافسية. اضافة الى معطى آخر، أكثر خطورة، هو تحايل قام به المستوردون للاستفادة من الدعم الحكومي المقدم وذلك بتربية أغنامهم في إسبانيا، ثم استيرادها من عند أنفسهم، وبالتالي الاستفادة مرتين، وخصوصا بعدما بلغهم أن الإسبان قرروا رفع الأسعار حينما علموا بدعم الدولة المغربية استيراد الأضاحي. وهكذا استطاع بعض “الفراقشية” أن يرفعوا من أرباحهم بنسبة %100 في غياب جدعم مشروط من طرف الدولة على المستوردين.

إلا أن الحكومة وعوض اتخاذ إجراءات ملموسة للحد من نزيف الخزينة العمومية، استمرت في تبرير التعديل الذي تم تقديمه في الغرفة الثانية للمؤسسة التشريعية: حسب تعبيرها لتفادي نقص تزويد السوق الوطنية سنة 2026 وارتفاع أسعار اللحوم الحمراء-التي لم تنخفض قط -، ودافعت باستماتة عن ضرورة الإبقاء على إعفاء رسوم الجمارك وكذا الضريبة على القيمة المضافة لحصة تبلغ 300 ألف رأس من الأبقار و10 آلاف رأس من الجمال برسم القانون المالي 2026. وارتكزت الحكومة على اغلبيتها في المجلسين لتمرير القانون، اذ صادق مجلس النواب، بالأغلبية، على المشروع كما وافق عليه مجلس المستشارين، في قراءة ثانية، مباشرة بعد مصادقة اللجنة على النص، بحضور 105 نواب فقط. وعقد مجلس النواب جلسة عمومية خصصت للدراسة والتصويت على مشروع القانون ذاته بعد التوصل به من الغرفة البرلمانية الثانية، حيث أجاز النص الذي حظي بموافقة 80 نائبا برلمانيا ومعارضة 25 نائبا، فيما لم يتمنع أي نائب عن التصويت.

من لجنة تقصي الحقائق الى لجنة استطلاعية: من يخشى الكشف عن المستور في فضيحة استيراد الأبقار والأغنام واللحوم؟

في خضم الجدل المتصاعد بالمغرب حول كلفة دعم استيراد المواشي وشفافية هذا الدعم، برزت معطيات بخصوص استيراد الأغنام والأبقار تفيد بأن من يُسمَّون بـ”الفرا قشية” استفادوا من مبلغ ضخم يتجاوز مليار درهم. وعلى إثر هذه الفضيحة، وحجم المبالغ التي استفادت منها فئة محدودة من المستوردين، تقدمت المعارضة بطلب لإحداث لجنة لتقصي الحقائق، تزعمها الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية بمجلس النواب، حول استيراد المواشي ومختلف أشكال الدعم الحكومي الموجه له. وقد شكّل هذا الطلب خطوة رقابية جريئة، تمثلت في تقديم طلب رسمي لتشكيل لجنة نيابية لتقصي الحقائق، وقّع عليه 35 نائبًا من نفس الفريق، وذلك للوقوف على مدى نجاعة البرامج والإجراءات الحكومية الموجهة لاستيراد الأبقار والأغنام واللحوم، ومدى مساهمتها في حماية القدرة الشرائية للمواطنين. وبعد يومين فقط من إعلان فرق المعارضة البرلمانية عن هذه المبادرة، وفي ظل تضارب الأرقام بشأن حجم المستفيدين وكلفة الدعم، سارعت الأغلبية إلى الرد بتقديم طلب لإنجاز مهمة استطلاعية مؤقتة حول استيراد المواشي والإجراءات المرتبطة به. وأشارت إلى أن من بين العوائق التي واجهتها وجود طلبات استطلاعية سابقة معروضة على اللجنة نفسها، مبرزة أنه، وفقًا للنظام الداخلي للمجلس، وكما جرت به الأعراف، فإن الجهة التي تتقدم بطلب إجراء مهمة استطلاعية يكون لها حق أسبقية النظر فيه بعد التداول.

ولوحظ، في هذا السياق، ما اعتُبر ممارسة غير مألوفة داخل قبة البرلمان، تمثلت في الحضور العددي الكبير لفرق الأغلبية داخل اللجنة الاستطلاعية المؤقتة حول استيراد المواشي، وذلك بهدف التأثير في اختيار آخر طلب مقدم من طرفها لإنجازه، مقابل إيقاف مسار لجنة تقصي الحقائق. وهو ما يثير فرضية “الفكرة المبيتة”، ويجعل الطريقة التي تم بها تمرير هذه المسألة تبدو غير عادية وغير مسبوقة، بما قد يؤسس لممارسة جديدة لم تكن معهودة في العمل البرلماني.

وبالنظر إلى خطورة هذا الملف وتعقيداته، يبدو أن لجوء الأغلبية إلى تشكيل لجنة للقيام بمهمة استطلاعية لا ينسجم مع تطلعات الرأي العام لكشف الحقيقة كاملة، وإحالة المتورطين على القضاء في حال ثبوت شبهات تتعلق بالمس بالمال العام أو تبديده دون وجه حق. فالمهمة الاستطلاعية تظل آلية محدودة، تنبثق عن إحدى اللجان البرلمانية الدائمة، ولا تتمتع بصلاحيات إلزامية قوية؛ إذ يمكن للمسؤولين عدم الاستجابة لاستدعاءاتها دون تبعات قانونية، كما لا تتيح الاستماع إلى الفاعلين في القطاع الخاص، رغم أن موضوع استيراد المواشي يهم مستوردين ينتمون إلى هذا القطاع. في المقابل، تتمتع لجنة تقصي الحقائق، المنصوص عليها دستوريًا، بصلاحيات واسعة، تتيح لها الاستماع إلى مختلف الأطراف والحصول على الوثائق بالقوة القانونية، كما أن الامتناع عن التعاون معها قد يعرّض المعنيين للمساءلة الجنائية. إضافة إلى ذلك، يمكن إحالة تقريرها على القضاء في حال ثبوت مخالفات، وهو ما لا توفره المهمة الاستطلاعية التي تقتصر نتائجها على توصيات غير ملزمة.

وبما أن الموضوع يثير شبهات احتكار وتبديد للمال العام، وتحقيق أرباح غير مشروعة لفائدة عدد محدود من المستوردين، فإن الأمر يستدعي تفعيل آليات حقيقية للمحاسبة بأمر من النيابة العامة خاصة وأن المتضرر لا يقتصر على المواطن فحسب، بل يشمل أيضًا الاقتصاد الوطني وقطاعًا فلاحيًا حيويًا، هو قطاع تربية الماشية.

التحقيق في شبهة اختلاس 13 مليار درهم في ملف ما سمي بـ”الفراشية”

مع استمرار الضغط السياسي، وتزامنه مع تصاعد أصوات من المعارضة، بل ومن داخل مكونات الحكومة نفسها-كما عكسته التصريحات السياسية المثيرة للأمين العام لحزب الاستقلال-اتسع النقاش العمومي حول كلفة الدعم الموجه لاستيراد المواشي. وقد أثار رقم الدعم المتداول نقاشًا واسعًا بشأن كيفية صرف هذه الاعتمادات ومدى انعكاسها الفعلي على أسعار السوق، خاصة في ظل استمرار ارتفاع أسعار اللحوم رغم تدخل الدولة.

وفي هذا السياق، تحقق ما كان متوقعًا بخصوص ملف ما سُمّي بـ”الفرا قشية”، إذ أمرت النيابة العامة المختصة في المغرب، في أواخر شهر مارس 2025 (وتحديدًا حوالي يومي 27 و28 مارس)، الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بفتح تحقيق قضائي. وقد باشرت هذه الأخيرة أبحاثها بشأن شبهات اختلاس وتبديد أموال عمومية خُصصت لدعم استيراد الأغنام والأبقار، وهي أموال كان الهدف الأساسي منها تخفيض أسعار اللحوم الحمراء في الأسواق الوطنية. وتأتي هذه التطورات في سياق أوسع يتصل بإعادة فتح ملفات الدعم العمومي وتقييم مدى ناجعته في تحقيق الأهداف المعلنة. وفي الإطار ذاته، أنجزت المصالح الأمنية تقارير دقيقة تتعلق بمآل الدعم العمومي الموجه لاستيراد الأبقار والأغنام، مع تحديد الجهات المستفيدة منه، في وقت يُرتقب فيه شروع الفرقة الوطنية للشرطة القضائية في الاستماع إلى كبار المستوردين الذين استفادوا من هذا الدعم ومن الإعفاءات الضريبية المرتبطة به. وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن أسعار اللحوم لم تعرف الانخفاض المنتظر، بل ظلت مرتفعة، مما عزز الشبهات حول وجود تلاعبات محتملة، يُعتقد أنها شملت أيضًا فاعلين سياسيين وبرلمانيين استفادت شركاتهم من جزء مهم من هذا الدعم.

كما قدم وزير الصناعة والتجارة معطيات تفيد بوجود اختلالات في تدبير هذا الملف، مبرزًا أن نحو 18 مضاربًا يهيمنون على سوق اللحوم الحمراء، ويعمدون إلى تضخيم هوامش الربح بشكل غير مسبوق. وتشير المعطيات اللاحقة إلى أن هوامش ربح المستوردين تراوحت بين 20 و25 درهمًا للكيلوغرام، بدل 10 دراهم المفترضة، في حين تراوحت هوامش أرباح الجزارين التقليديين بين 8 و10 دراهم. وقد أدى ذلك إلى ارتفاع إجمالي هوامش الربح إلى حوالي 40 درهمًا للكيلوغرام، وهو ما يعكس استمرار هيمنة عدد محدود من الوسطاء على السوق، ويطرح تساؤلات جدية حول فعالية سياسات الدعم في تحقيق التوازن المنشود.

تقييم أثر السياسة على السوق واستمرار غياب الحكامة

رغم الأهداف المعلنة من طرف الحكومة فيما يتعلق بملف استيراد الماشية واللحوم، والمتمثلة في خفض الأسعار وتحسين القدرة الشرائية، فإن المعطيات الميدانية تشير إلى أن هذه السياسة لم تحقق النتائج المرجوة. فقد استمرت أسعار اللحوم في الارتفاع، بل تضاعفت في بعض الحالات. ويُعزى هذا الإخفاق إلى عدة عوامل، من بينها ضعف آليات المراقبة، وغياب شروط صارمة لربط الدعم بتخفيض الأسعار، إضافة إلى تركّز الاستفادة لدى فئة محدودة من المستوردين، أو ما يُصطلح عليه حاليًا بـ”الفرا قشية”. لقد أدت هذه السياسة، ولا تزال، إلى إهدار المال العام دون أثر يُذكر على الأسعار، كما يُخشى أن تُسهم في تقليص القطيع الوطني بدل دعمه، ذلك أن الحل المستدام يكمن في دعم الفلاحين والكسابة، خصوصًا الصغار والمتوسطين. وفي ظل هذا التوجه النيوليبرالي، الذي يُنظر إليه على أنه يخدم فئة نافذة ومن يدور في فلكها، تزايدت الانتقادات الموجهة لهذه السياسة، باعتبارها قد تُهدد القطيع الوطني وتمس بالأمن الغذائي لعموم المغاربة، فضلًا عن كونها سياسة غير فعالة ومرهقة لميزانية الدولة، واستنزافًا لمواردها المالية.

وقد دعت عدة أطراف إلى إعادة توجيه الدعم نحو الإنتاج المحلي، من خلال دعم الفلاحين والكسابة، وتوفير الأعلاف، وتعزيز استدامة القطيع الوطني. كما تم التأكيد على ضرورة تحسين الحكامة، عبر ربط الدعم بشروط واضحة، وتعزيز الشفافية، ومحاربة الاحتكار، بما يضمن تحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية المرجوة. ويُطرح في هذا السياق سؤال الفعالية، في ظل ما يُعتبر فشلًا متراكمًا من “المخطط الأخضر” إلى “الجيل الأخضر” الحالي، حيث تم خلال هذه المرحلة إلغاء الرسوم الجمركية على استيراد الأبقار والأغنام والجمال، وكذا اللحوم الطرية والمجمدة، دون تحقيق الأثر المطلوب. ويُعزى هذا الفشل إلى غياب حلول حقيقية وجذرية لمعالجة إشكالية ارتفاع أسعار اللحوم.

في إطار الإجراءات التي اعتمدتها الحكومة لدعم استيراد المواشي، صدر مرسوم بتاريخ 18 أكتوبر 2022 شمل استيراد 200 ألف رأس من الأبقار التي لا يقل وزنها عن 550 كلغ، وبدأ تنزيله في 21 أكتوبر 2022 إلى غاية نهاية دجنبر 2023. تلاه مرسوم ثانٍ بتاريخ 27 يناير 2023، امتدت صلاحيته إلى دجنبر 2024، دون إجراء تقييم فعلي للإجراء الأول أو لآثاره على أرض الواقع، حيث تم تعميمه على جميع الأبقار دون تحديد للوزن، بكمية بلغت 100 ألف رأس. وفي إطار مشروع قانون المالية لسنة 2025، تم إصدار مرسوم ثالث بتاريخ 18 أكتوبر 2024 همّ 150 ألف رأس، مع إضافة 20 ألفًا من رؤوس الأبقار، أعقبه مرسوم رابع في التاريخ نفسه شمل مختلف الحيوانات الأليفة، من الأبقار والأغنام والماعز، ثم مرسوم خامس بتاريخ 18 أكتوبر 2024 يتعلق باستيراد اللحوم الطرية والمجمدة بمختلف أنواعها، بكمية محددة في 40 ألف طن.

وفي السياق ذاته، صادقت الحكومة على ثلاثة مراسيم إضافية خلال نهاية أكتوبر ونونبر 2024، رفعت بموجبها حصص الاستيراد إلى 200.000 رأس من الأغنام و200.000 رأس من الأبقار، كما تم تكريس هذه الإعفاءات ضمن قانون المالية لسنة 2025، بما يسمح باستيراد 700.000 رأس من الأغنام، و150.000 رأس من الأبقار، و20.000 رأس من الماعز، و15.000 رأس من الجمال، إضافة إلى 40.000 طن من اللحوم. وبموازاة ذلك، قررت الحكومة وقف استيفاء رسوم الاستيراد على الأغنام، وكذا على فصائل الأبقار المعدة للذبح، بهدف ضمان تموين الأسواق الوطنية ومواجهة اضطرابات سلاسل التموين العالمية، وتداعيات الجفاف وارتفاع أسعار الأعلاف التي أثرت سلبًا على العرض المحلي، مع تحديد سقف 100 ألف رأس إلى غاية 31 دجنبر 2024. كما شمل القرار تعليق رسوم الاستيراد على لحوم الأبقار والضأن والماعز والجمال في حدود 20 ألف طن إلى غاية التاريخ نفسه.

ورغم تعدد هذه الإجراءات وتوسيع نطاقها، لم يتحقق الأثر المتوقع على مستوى الأسعار، مما يُبرز محدودية هذا التوجه. وخلاصة القول، يبدو جليًا أن سياسة دعم استيراد المواشي في المغرب، كآلية لمواجهة الأزمات الهيكلية، تظل خيارًا غير ناجع، خاصة في ظل غياب حكامة فعالة وآليات مراقبة صارمة تُلزم المستوردين بضبط الأسعار واحترام دفاتر التحملات. فمن الملاحظ أنه، رغم الكلفة المالية المرتفعة التي تجاوزت 13 مليار درهم، لم يتحقق الأثر المنتظر في خفض الأسعار أو توفير لحوم بجودة مناسبة، وهو ما يفرض ضرورة إعادة تقييم هذه السياسة ومراجعتها في اتجاه تبني مقاربة أكثر توازنًا وعدالة.

غير أن هذه الإجراءات مجتمعة لم تُفلح في معالجة الإشكال القائم أو في خفض أسعار اللحوم بالسوق الوطنية، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول جدوى هذه التشريعات إن لم تنعكس إيجابًا على المواطن المغربي، الذي يُعد المتضرر الثاني بعد الدولة، التي حُرمت بدورها من مداخيل مهمة. في المقابل، يُلاحظ أن بعض رجال الأعمال والشركات المرتبطة بدوائر النفوذ هي التي استفادت من هذه السياسات، عبر لوبيات اقتصادية تؤثر في توجيه التشريع، بما يخدم مصالح فئة محدودة على حساب الفئات الشعبية التي تعرف قدرتها الشرائية تدهورًا تدريجيًا ومزمنًا. وقد أكدت تقارير المندوبية السامية للتخطيط هذه الوضعية، حيث أشارت إلى أن 84 بالمائة من الأسر شهدت تراجعًا في مستوى معيشتها خلال الفترة الأخيرة. وهو ما يعزز الدعوات إلى ضرورة قيام الحكومة بتقييم جدي لهذه السياسات، والبحث عن حلول ذات أثر ملموس لخفض أسعار المواد الأساسية، بدل الاستمرار في إجراءات يُنظر إليها على أنها منحازة لفئة من رجال المال والأعمال، وتخدم بالأساس المستوردين و”الشناقة”، مما يؤدي إلى استمرار غلاء الأسعار دون رقابة فعالة.

ومن الواضح أن هناك، في نظر منتقدي هذه السياسات، توجهًا إراديًا نحو تكريس مظاهر الريع والفساد، وهو ما يفرض طرح تساؤلات جوهرية: من المستفيد الحقيقي من هذه العملية؟ ووفق أي معايير تم قبول ملفات المستوردين؟ ولماذا لم ينعكس هذا الدعم على الأسعار في السوق؟ وعمومًا، يقتضي الأمر تفعيل المقتضيات القانونية المتعلقة باستخلاص الرسوم الجمركية والضريبة على القيمة المضافة، وعدم دعم اقتصاد الريع، خاصة بالنسبة للمستوردين الذين يستفيدون من الإعفاءات. كما يتعين إخضاعهم للمحاسبة في حال عدم احترامهم لدفاتر التحملات، تفاديًا لتكرار سيناريو تخزين الأضاحي الذي وقع خلال السنة الماضية، حيث أُعيد بيعها لاحقًا بأسعار مرتفعة في مناسبات مختلفة، دون أن يستفيد منها المستهلك المغربي.

ورغم الانتقادات المتزايدة، استمرت الحكومة في اعتماد هذه السياسة الليبرالية، بل عملت على توسيع نطاقها من خلال المصادقة على مراسيم جديدة رفعت من حصص الاستيراد، وشملت أنواعًا مختلفة من المواشي، إضافة إلى كميات مهمة من اللحوم. كما تم إدراج هذه الإعفاءات ضمن قانون المالية لسنة 2025، وهو ما يعكس توجهًا نحو مواصلة هذا الخيار على المدى المتوسط. وفي هذا السياق، يُتوقع أن تتجاوز الكلفة الإجمالية للدعم 20 مليار درهم، في ظل استمرار العمل بالإعفاءات وتزايد حجم الاستيراد. وفي هذا الإطار، يبرز خيار توجيه الدعم نحو الإنتاج الوطني، وتعزيز دعم الفلاحين والكسابة، وتحسين شروط الشفافية والحكامة، كبديل أكثر استدامة، بما يضمن تحقيق توازن معقول بين العرض والطلب، ويعود بالنفع أساسًا على المواطن المغربي بمختلف فئاته. كما أن تحقيق التوازن بين التدخلات الظرفية والإصلاحات الهيكلية يظل السبيل الأمثل لضمان الأمن الغذائي واستقرار الأسعار على المدى البعيد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist