“ليست الطرق ما نسلكه، بل ما تتركه فينا”
لك الخيار والاختيار، إما ان تنحدر نزولا من الفدان عبر calle luneta او المصلى القديمة، واما ان تصعد من casa bloque وصولا إلى باب الرموز. تصل بك الخطى في الحالتين إلى سيدي مصباح.
هنا يوجد هذا الحي المسمى نسبة إلى مؤسسه الشيخ أحمد بن الجيلالي مصباح، هنا وطأت أقدام أجدادنا، هنا رموا احجارهم واحلامهم ليبنوا هذا الحي المتفرد في معماره وفي روحه، ليؤسسوا ثاني أقدم حي في مدينتنا تطوان بعد حي المنجرة/السويقة، الذي اسسه الشيخ عبد القادر التبين دفين العوينة.
حينما تدخل عبر قوس باب الرموز، تجد الحجارة تكاد تخاطبك، كأنها تعرفك، ربما تعرفني أنا لأنني ولدت هنا، في هذا الحي، قربه في درب سيدي سعود، لكنني اعتقد انها روح الحي التي تخاطب كل زواره، لتقول لهم، لست حيا عاديا، أنا ذاكرة المدينة المنسية.
هنا هجم البرتغاليون على هذا الحي وهدموا جزءا كبيرا منه سنة 1437 م، هنا مر وباء افنى معظم السكان سنة 1856م.
لكن هذا الحي ظل كطائر الفينيق، كلما احترق نهض من الرماد. في بداية عهد الحماية الإسبانية، تم تجديده وإعادة بنائه، سمي الشارع الممتد من باب الرموز نحو الفدان calle luneta، ليسمى بعد ذلك بحي المصلى القديمة، لكن المصلى تقع في الجهة العليا للحي، حيث كان التجار الهنود الذين رحلوا بعد الاستقلال نحو سبتة، أما هذا الحي فإسمه سيدي مصباح، يلمع كمصباح، لكن يعلوه غبار الإهمال والنسيان.
عند دخولك للحي تحس أنك سافرت إلى بعد آخر، تحس انك تتجول في متحف مفتوح، المعمار مختلف عن كل أحياء المدينة، فسيفساء الجدران، تصميم المباني، تلك السلالم الحجرية التي تعيدك إلى روايات الطفولة وحكايات الجدات، هنا تجد تلك الشرفة الغريبة في ذلك المبنى الرائع، الذي كان يسمى يوما ما “الفندق السويسري”. هنا كانت حياة نابضة، تجارة وفنون وحضارة، كل ذلك تم محوه بسلاح خطير إسمه الإهمال، وبذاكرة السمك التي يمتلكها أهل المدينة، الغافلين عن تاريخهم.
تستيقظ من تأملاتك بسماعك لمنبه سيارة تعبر باب الرموز، على يمينها قاع الحافة، وعلى يسارها السور المطل على رياض العشاق،صاعدة نحو الأعلى لتكمل طريقها أمام المسرح الوطني “سينما المصلى” الذي أسس سنة 1914، لتدرك ان الزمن مهما تغير، لن يستطيع ان يمحو ذاكرة حية، يحكيها البشر والحجر.
“بعض الأحياء لا نسكنها فقط، بل تظل تسكننا مهما ابتعدنا عنها”