استفسرت وسيطا عن تصرف طائش فأجابني قائلا : عبد السلام اندلوسي

عبدالسلام أندلوسي

في الحياة المهنية، لا تكون الاختبارات الحقيقية في كثرة الأعمال ولا في ضغط المسؤوليات، بل في لحظات انكشاف النيات وسقوط الأقنعة. فقد تمنح إنسانا ثقتك، وتعامله بصدق وأمانة، ثم تكتشف بالدليل القاطع أنه كان يضمر لك الكيد، ويتحين الفرص للنيل منك. عندها لا تكون الصدمة في الفعل ذاته، بل في خيانة الثقة التي هي أثمن من كل المصالح. وكما قال ويليام شكسبير: “الطعنات التي تأتي من الخلف لا يقوم بها الأعداء، بل من كانوا قريبين”.
إن الإنسان في مثل هذه المواقف لا يملك حق الرد فحسب، بل يملك القدرة على المواجهة وكشف الحقائق، غير أن الحكمة تقتضي أحيانا التريث، لا خوفا ولا ضعفا، وإنما احتراما لمقامات عليا، وصونا لهيبة المؤسسة، وتقديرا لمن يستحق التقدير. فالصمت أحيانا ليس فراغا، بل لغة الكبار حين يأنفون من النزول إلى مستوى الصغائر. وقد قال أرسطو: “ليس من السهل أن تغضب بالطريقة الصحيحة، وفي الوقت الصحيح، وللسبب الصحيح”. فكل قادر على الرد، لكن قليلا من يملك فن ضبط النفس.
غير أن بعض الناس، لقصور نظرهم، يفسرون الحلم ضعفا، والهدوء عجزا، وإرجاء الرد المناسب، خوفا من المواجهة. وهؤلاء لا يدركون أن الأسد لا يزأر في كل لحظة ليثبت أنه أسد، وأن الجبل لا يتحرك كلما عبثت حوله الرياح. وقد قال نابليون بونابرت: “لا تقاطع عدوك حين يكون بصدد ارتكاب خطأ”. فكثير من المسيئين يهزمون أنفسهم بأنفسهم، ويكشفهم الزمن دون حاجة إلى خصومة.
إن إرجاء الرد، ليس نابعا من رغبة في التسامح، ولا من رغبة في طي الصفحة وكأن شيئا لم يكن، بل من وعي كامل بطبيعة الموقف. فأنا أدرك أن بعض الناس حين يصطدمون بعدم قدرتهم على الإبداع والإنتاج والابتكار، رغم ترسانة الإمكانيات المادية والمعنوية الموضوعة رهن إشارتهم، سرعان ما يتحولون إلى كائنات، حتى لا أقول شيطانية، لا تستسيغ تفوق ونجاح الآخر، لا سيما إذا كان محفوفا بالعناية الربانية ورعاية ودعم وطنيتهم التي تدركها كل أجهزة الدولة. ولعل هذا ما يتمثلونه استفزازا وهو في الحقيقة وهم كبير من هؤلاء، المحاطين بأصحاب السوابق، الذين أصبحوا يؤثرون في قراراتهم مقابل أشياء باتت مكشوفة للخاص والعام. لذلك، فإن إرجائي للرد ليس عفوا عن إساءة، أو رغبة في تسامح، بل رفض واعٍ للدخول في الفخ.
إن ما أحرص عليه قبل كل شيء هو إصراري على مبادلة ذلك الرجل الطيب، بالمستوى نفسه من التعامل الراقي المتشبع بقيم الاحترام الفسيح ومبادئ الإنسانية. فهذا الرجل، يستحق مني أكثر من اعتراف، فالله تبارك وتعالى يشهد أني مذ عرفته عام 2003، وهو يكن لي الاحترام الراقي والتعامل الحسن. ولذلك،
فالمكانة التي تبنى بالجدية والاتزان لا يجوز التفريط فيها بسبب فعل طائش، متخلف، بل وظلامي قد يمنح صاحبه فرصة إنجاز ما عجز عن تحقيقه بوسائله الأخرى، التي بدأ بها منذ سنوات. ومن هنا فإن ضبط النفس ليس لينا، بل حماية لرصيد معنوي أكبر من أي سجال عابر.
وقد يخطئ حين يفسر هذا الموقف على أنه ضعف أو عجز عن المواجهة، لأنه لا يدرك الفرق بين من يصمت لأنه لا يملك جوابا، ومن يصمت لأنه يرى أن الجواب في هذا المقام خطأ. فليس كل رد قوة، وليس كل صمت هزيمة. أحيانا يكون تأجيل الرد أعلى درجات الذكاء، لأنه يحرم الطرف الآخر من المكسب الذي عمل من أجله منذ سنوات.
إنني لا أتنازل عن حقي ولا أسقط من حسابي ما وقع، لكنني أميز بين استرجاع حق معنوي، و تجاوز رصيد من الاحترام والتعامل الإنساني الرفيع لرجل يستحق مني أن أقول في حقه بالعامية المغربية الأصيلة : “الله يرحم إلي رباه”.
.ولذلك، أختار أن أبقى في مستوى يليق بما أمثله، وأن أترك الأفعال تكشف أصحابها، لأن الزمن كثيرا ما يقوم بما تعجز عنه المشادات والانفعالات.
إن المؤسسات لا تبنى بالحقد والأنانية، بل بالانضباط والاحترام والتوازن. ومن يعرف قيمة المسؤولية، يدرك أن كسب معركة صغيرة قد يعني خسارة صورة كبيرة. لذلك، يختار العقلاء أن ينتصروا للمبدأ لا للهوى، وللمستقبل لا للحظة بشرية متخلفة طائشة. وقد قال ماركوس أوريليوس: “أفضل انتقام هو ألا تصبح مثل من أساء إليك”. وهي كلمة تختصر معنى السمو الأخلاقي في مواجهة الأذى.
إن الأيام كفيلة بكشف المعادن؛ فهناك من يعلو بالأخلاق والعمل، وهناك من يحاول الصعود على أكتاف الآخرين، ويمتهن الدسيسة اعتقادا منه ان ذلك هو السبيل الأمثل لسيطرته على مشهد التميز. الأول يبقى أثره محترما ولو صمت، والثاني يسقط ولو تكلم كثيرا. لذلك فإن من يظن حلمك ضعفا، سيكتشف متأخرا أنه كان أمام قوة متزنة. وفي النهاية، يبقى الوقار أقوى من الدسيسة، والحقيقة أبقى من المكر، والكرامة أرفع من ولاء لشيطان رجيم قيل له : “اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءومًا مَّدْحُورًا ۖ لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ” ( الاعراف: 18)

Comments 1

  1. Mohamed Zouak says:

    بعد مسار مهني وصحفي طويلين كله جد وتألق .. أقرأ لكم هذا النص الطويل ليترك لي حرق الأسئلة حول السكوت عنه عن مصدر حرقتك والمك .. كنتم ولا زلتم وستظلون استاذي في العمل الصحفي النقي والراقي .. لكم كل المحبة ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist