في كثير من الأحيان يبدو المشهد السياسي اليوم وكأنه ابتعد بشكل كبير عن جوهر السياسة باعتبارها تدبيرا للشأن العام وخدمة للمصلحة العامة ليتحول في نظر عدد متزايد من المواطنين والمواطنات إلى ساحة مفتوحة لصراع المصالح وحسابات النفوذ ومنطق “كسر العظام” الذي لا يعترف إلا بمنطق الغلبة والتموقع.
أصبح من السهل ملاحظة كيف تدار الكثير من المعارك السياسية بعيدا عن النقاش الجاد حول البرامج والأفكار والبدائل، وقريبا جدا من الحسابات الضيقة، والتحالفات الظرفية وإعادة تشكيل المواقف وفق ما تقتضيه المصلحة الآنية.
في هذا السياق لا يعود السؤال المطروح: ما الذي يحتاجه المواطن؟ بل: من سيربح الجولة المقبلة؟ ومن سيتمكن من توسيع دائرة النفوذ؟
المقلق في هذا الواقع ليس فقط تراجع النقاش العمومي، بل أيضا تآكل قيمة الصدق داخل الفعل السياسي. فالصدق الذي يفترض أن يكون أساس العلاقة بين الفاعل السياسي والمواطن أصبح عملة نادرة.
كثيرون يرفعون شعارات لا يؤمنون بها، ويتبنون خطابات لا تعكس ممارساتهم، ويرتدون أقنعة متعددة حسب طبيعة المخاطبين أو الظرف أو المصلحة.
وسط هذا المناخ يجد من يحاول ممارسة السياسة بقدر من التجرد والوضوح نفسه أمام طريق شديد الوعورة وأحيانا مستحيلة فالممارس للسياسة انطلاقا من قناعات حقيقية، وبمنطق الالتزام لا المنفعة غالبا ما يصطدم ببيئة لا تكافئ الصدق بقدر ما تكافئ القدرة على المناورة وإخضاع التابعين والبحث عن التوازنات الظرفية وتقديم التنازلات المناسبة في الوقت المناسب.
وقد يصبح ثمن الصدق في السياسة باهظا ، أحيانا يكون الثمن هو اتخاد قرار الانسحاب من الفعل السياسي أو الإقصاء غير المعلن أو التشكيك المستمر، أو حتى محاولة إنهاك الأصوات التي ترفض الانخراط في لعبة المصالح. وكأن الرسالة الضمنية تقول: لكي تستمر عليك أن تتكيف مع القواعد غير المكتوبة.
أخطر ما يحدث اليوم هو أن يفقد المواطن ثقته نهائيا في إمكان وجود ممارسة سياسية نظيفة ومسؤولة. فالمجتمعات لا تتقدم فقط بالمؤسسات والقوانين، بل أيضا بوجود فاعلين قادرين على إعادة الاعتبار للأخلاق داخل المجال العام.
إن أزمة السياسة اليوم ليست فقط أزمة برامج أو نخب، بل أيضا أزمة قيم. وعندما يغيب الصدق تتحول السياسة من أداة للتغيير إلى مجرد إدارة للمصالح المتصارعة ويصبح المواطن هو الخاسر الأكبر من نتائج هذا الانحراف.
ربما يبدو الصدق في السياسة خيارا مكلفا لكنه يظل الرهان الوحيد القادر على ترميم ما تآكل من ثقة بين المواطن والمجال السياسي. فالسياسة دون مصداقية ليست سوى مسرح كبير يدفع المواطن ثمن تذاكره من مستقبله اليومي، وحال واقعنا ان هذا المسرح اصبح عنوانه فقدان الثقة