في زمن غير بعيد كانت المؤسسات المالية المغربية وفي مقدمتها البنوك تتسابق فيما بينها من أجل فتح فروع جديدة لها بالأحياء، المراكز والمدن الحديثة النشأة، اليوم وفي ظل التطور التكنولوجي والتحولات الرقمية تغيرت الأهداف، وتغير معها رسم خريطة بنكية جديدة في ظل سياسية تعتمد الربحية والنجاعة، الأمر الذي جعل بعض المؤسسات البنكية بل جلها، تلجأ إلى إغلاق مجموعة من فروعها بمعظم التراب الوطني، وحسب آخر إحصاء بنك المغرب (2024) تم إغلاق 41 وكالة من طرف “الشركة العامة للأبناك” سابقا سهام بنك حاليا، و39 وكالة للبنك الشعبي، و20 وكالة للبنك المغربي للتجارة والصناعة، مقابل عدد أقل بالنسبة للمؤسسات المالية الأخرى. وتشير مصادر بنك المغرب ان سنة 2024 عرفت اغلاق 152 وكالة مقابل افتتاح 39 فقط.
وحسب التوزيع الجغرافي فقد شهدت المدن الكبرى النسبة الكبرى للإغلاق، بحيث تصدرت كل من الدار البيضاء وسطات المرتبة الأولى بإغلاق 40 مؤسسة لوحدها، متبوعة بكل من الرباط سلا القنيطرة، يليها فاس مكناس طنجة تطوان الحسيمة، الأمر الذي انعكس سلبيا على سكان الأحياء الشعبية والمناطق المعرفة بالكثافة السكانية العالية.
وفي خضم هذا التحول يرجح المهنيون والمتتبعون أن ظاهرة الإغلاق تعود إلى عوامل عدة أبرزها:
-الرقمنة واعتماد التطبيقات البنكية والخدمات عن بعد، بحيث قلصت بشكل كبير التعامل المباشر عبر الوكالات التقليدية.
-ارتفاع كلفة تسيير وتدبير الوكالات والفروع، خصوصا مع ارتفاع المصاريف القارة وضعف المردودية: (كراء المقرات، أجور المستخدمين، شراء المعدات والصيانة…).
وفي ظل هذه التحولات الرقمية المتسارعة التي يشهدها العالم، يتجه المغرب بدوره نحو تبني نموذج “البنوك بدون شبابيك”، في إطار تحديث القطاع المالي وتعزيز الخدمات الرقمية. غير أن هذا التحول، رغم ما يحمله من مزايا على مستوى السرعة وتقليص التكاليف، يطرح تحديات اجتماعية ملموسة، خاصة بالنسبة للزبناء الذين يجدون أنفسهم في موقع الحلقة الأضعف ضمن هذه المعادلة، خصوصا بعدما لجأت بعض الفروع التقليدية المغلقة إلى نقل حسابات عدد من العملاء نحو وكالات أبعد جغرافيا، مما يفرض عليهم أعباء إضافية مرتبطة بالتنقل، والوقت، وتكاليف الوصول. كما تتفاقم هذه المعاناة في ظل الاكتظاظ داخل الفروع المتبقية، وغياب مواقف كافية للسيارات، إضافة إلى محدودية الولوج إلى الخدمات الرقمية لدى فئات معينة، خصوصا كبار السن أو غير المتمرسين في استعمال التكنولوجيا.
وأمام هذا الواقع، يبرز تحدي تحقيق التوازن بين متطلبات التحديث الرقمي وضمان العدالة المجالية والاجتماعية في الولوج إلى الخدمات البنكية، بما يحفظ كرامة الزبون ويصون حقه في خدمة قريبة وذات جودة
