بين جيل كان ينتظر دقائق طويلة لتحميل صورة من الإنترنت، وجيل يشاهد الأفلام ويبث المباريات بدقة عالية عبر الهاتف الذكي، عاش المغرب خلال أقل من ثلاثة عقود تحولا رقميا عميقا غير أساليب التواصل والعمل والتعلم والترفيه.
فالجيل الذي عاش مرحلة ما قبل الإنترنت يتذكر زمنا كانت فيه المعلومة تستمد من الصحف الورقية والإذاعة والتلفزيون، وكانت الرسائل ترسل عبر البريد التقليدي أو الهاتف الثابت، فيما كان السفر إلى مقهى الإنترنت حدثا استثنائيا لاكتشاف عالم جديد ومثير.
أما جيل اليوم، فقد ولد وسط التكنولوجيا الرقمية، حيث أصبحت الهواتف الذكية وشبكات التواصل الاجتماعي والإنترنت فائق السرعة جزءا أساسيا من الحياة اليومية، سواء في الدراسة أو العمل أو التسوق أو الترفيه.
هذا التحول السريع لم يكن مجرد تطور تقني، بل شكل ثورة اجتماعية وثقافية واقتصادية حقيقية، جعلت الإنترنت ينتقل في المغرب من خدمة محدودة وبطيئة إلى بنية رقمية حديثة تعتمد على الألياف البصرية والصبيب العالي.
البداية: الإنترنت عبر الهاتف

بدأ ظهور الإنترنت بالمغرب بشكل محدود خلال النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي، عبر تقنية الاتصال الهاتفي المعروفة بـ“Dial-up”، التي كانت تعتمد على خط الهاتف الثابت وجهاز “المودم”، ذلك الجهاز الذي ارتبط في ذاكرة المغاربة بصوته الإلكتروني الشهير أثناء الاتصال بالشبكة.
في تلك المرحلة، لم تكن سرعة التصفح تتجاوز غالبا 56 كيلوبت في الثانية، كما كان استعمال الإنترنت يؤدي إلى تعطيل خط الهاتف الثابت، بينما ظلت تكلفة الخدمة مرتفعة نسبيا، ما جعلها مقتصرة على الإدارات وبعض الجامعات والشركات وفئة محدودة من الأسر.
وكان الحصول على المعلومة أو تحميل ملف بسيط يتطلب وقتا طويلا وصبرا أكبر، في وقت لم تكن فيه الهواتف الذكية ولا تطبيقات التواصل الاجتماعي قد ظهرت بعد.
الخطوط المؤجرة: الإنترنت يدخل عالم المقاولات

مع تزايد حاجة المؤسسات إلى اتصال دائم ومستقر، ظهرت ما عرف بـ“الخطوط المؤجرة” أو “Lignes spécialisées”، وهي خطوط إنترنت خصصت أساسا للبنوك والشركات الكبرى والإدارات العمومية.
وقد وفرت هذه التقنية اتصالا متواصلا بالشبكة دون الحاجة إلى إعادة الاتصال في كل مرة، كما أتاحت سرعة وصبيب أفضل مقارنة بالاتصال الهاتفي التقليدي، لكنها بقيت مرتفعة التكلفة وبعيدة عن الاستعمال المنزلي.
ورغم كلفتها الباهظة، لعبت هذه الخطوط دورا أساسيا في انتشار الإنترنت بالمغرب ما بين 1996 و2003، خاصة مع ظهور مقاهي الإنترنت “Cyber Café”، التي تحولت آنذاك إلى فضاءات يقصدها الشباب لاكتشاف البريد الإلكتروني وغرف الدردشة وبرامج المحادثة مثل “MSN Messenger” ،“Yahoo Chat” و Caramail.
وكان ارتياد “السيبير” تجربة يومية مميزة بالنسبة لجيل التسعينيات وبداية الألفية، حيث كان المستخدم يؤدي مقابلا زمنيا مقابل ساعة أو نصف ساعة من التصفح.
ثورة ال ـADSL: الإنترنت يدخل المنازل
شكلت بداية الألفية الجديدة نقطة تحول حاسمة مع إطلاق تقنية “ADSL” بالمغرب حوالي سنتي 2003 و2004، وهي الخدمة التي سمحت باستعمال الإنترنت والهاتف الثابت في الوقت نفسه عبر خطوط النحاس التقليدية.
ومع هذه التقنية، بدأت شبكة الإنترنت تدخل المنازل المغربية بشكل واسع، حيث ارتفع الصبيب والسرعة تدريجيا من 128 و256 كيلوبِت إلى عدة ميغابت في الثانية.
وخلال هذه المرحلة، عرف المغرب توسعا كبيرا في عدد المستخدمين، بالتزامن مع انتشار البريد الإلكتروني، والمنتديات الإلكترونية، والمواقع الإخبارية، ثم لاحقا منصات التواصل الاجتماعي.
كما شهد قطاع الاتصالات منافسة قوية بين الفاعلين الرئيسيين:
Maroc Telecom، Orange Maroc و Inwi

وقد ساهمت هذه المنافسة في تحسين جودة الخدمات وتوسيع التغطية وخفض أسعار الاشتراكات تدريجيا.
الألياف البصرية: عصر السرعة الفائقة

ابتداء من سنة 2015 تقريبا، دخل المغرب مرحلة جديدة مع توسيع خدمات الألياف البصرية “FTTH”، التي تعتمد على نقل البيانات عبر الضوء بدل الأسلاك النحاسية.
ومكنت هذه التكنولوجيا من توفير صبيب بسرعة عالية وصلت إلى 100 و200 ميغابت في الثانية نسبيا مع تفاوت في التغطية والخدمة حسب قرب المنطقة أو بعدها…. مع استقرار أكبر في الاتصال وتحسين خدمات البث الرقمي والعمل عن بعد والألعاب الإلكترونية والتعليم عبر الإنترنت.
كما شهدت المدن الكبرى توسعا متزايدا في تغطية الأحياء بشبكات الصبيب العالي.
المغرب والتحول الرقمي:
خلال السنوات الأخيرة، ارتفع عدد مستعملي الإنترنت بالمغرب بشكل كبير، مدفوعا بانتشار الهواتف الذكية وخدمات الجيل الرابع، إلى جانب الاستعدادات الجارية لتطوير شبكات الجيل الخامس والبنية التحتية الرقمية.
وأصبح الإنترنت اليوم ركيزة أساسية في الاقتصاد الوطني، سواء في التعليم أو التجارة الإلكترونية أو الخدمات البنكية أو الإدارة الرقمية، بعدما كان في بداياته مجرد وسيلة محدودة الاستعمال وبطيئة الأداء.
وبين صوت “المودم” القديم وسرعة الألياف البصرية الحديثة، تختزل قصة الإنترنت بالمغرب مسارا كاملا من التحول التكنولوجي والاجتماعي، الذي غير تفاصيل الحياة اليومية للمغاربة وقلص المسافات بين الأفراد والعالم الرقمي.
لكن بالرغم من هذا التحول الرقمي والتكنولوجي تبقي بعض البوادي والقرى البعيدة معزولة عن العالم الخارجي، وتعاني من بطء أو انقطاع خدمات الاتصال والأنترنيت.