“إسرائيل في المغرب” الصحفي جان هيس والرواية المضادة للخطاب الرسمي الفرنسي

محمد نجيب زغلول

تقـديـــم

في لحظة تاريخية (1907، سنة بعد مؤتمر الخوزيرات) كان المغرب فيها يقف على حافة التحول الكبير بين الاستقلال والتغلغل الاستعماري، جاء كتاب إسرائيل بالمغرب لجون هيس ليقدم صورة نادرة عن عالم يهود المغرب في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. غير أن هذا الكتاب لا يكتفي بوصف حياة جماعة دينية داخل مجتمع متعدد، بل يكشف أيضًا عن الطريقة التي كانت أوروبا تنظر بها إلى المغرب وتعيد تشكيل صورته ضمن خطاب استعماري ارتبط بما كان يُعرف آنذاك بـ“المسألة اليهودية” و“المسألة المغربية”. فمن خلال تنقله بين الملاحات والأسواق والمدن المغربية، يرسم هيس مشاهد حية لعلاقات اليهود بالمسلمين، ولدورهم الاقتصادي والاجتماعي، وللتحولات التي بدأت تعصف بالمجتمع المغربي تحت ضغط التدخل الأوروبي.

لم يعرف يهود المغرب تحولا أكثر جذرية مما عرفته الفئات “البرجوازية” المسلمة المغربية، من حيث اللجوء إلى القنصليات الأجنبية، للاحتماء بها قضائيا ومصلحيا، كما استظل المتدينون المسلمون بداية القرن التاسع عشر بالايديولوجيا الوهابية عندما يرجعون من الحج، ظنا منهم إصلاح المجتمع.

كما تكمن أهمية هذا النص في أنه يفتح بابًا لفهم “المسألة المغربية” ليس فقط كصراع سياسي بين القوى الأوروبية، بل كعملية معقدة تداخلت فيها المصالح الاقتصادية والخلفيات الفكرية والخطابات الإنسانية التي استُخدمت لتبرير التوسع الاستعماري. فصورة اليهود في المغرب لم تكن مجرد وصف اجتماعي، بل أصبحت جزءًا من النقاش الأوروبي حول “المسألة اليهودية”، خاصة بعد قضية دريفوس في فرنسا (1894–1906) وتصاعد الجدل حول اندماج اليهود ومكانتهم داخل المجتمعات الحديثة وكحدث مفصلي كشف عمق الانقسام داخل المجتمع الفرنسي حول “المسألة اليهودية”. ومن هنا، استُخدمت أوضاع اليهود المغاربة داخل خطاب “الإصلاح” و”الحماية” الذي قدّم التدخل الفرنسي باعتباره مشروعًا حضاريًا وإنسانيًا.

وكل التحولات الجزئية الفئوية ظهرت انعكاسا للتدخل الاستعماري الأوربي في شؤون الخلافة العثمانية، وتفاعلا مع البلبلة الصحافية في الغرب، وما تكاثر بعد ذلك من نقاشات بين النخب “المثقفة” محليا، منها من هو مع الغرب (التجار الرحالة الى إنجلترا وفرنسا) أو العائدون من الشرق (الحُجَّاج) فبدأ التجاذب مع هذا الموقف أو ذاك، بينما كانت فرنسا تجمع شذرات المواقف المتعددة لتشكل سرديتها الاستعمارية، ضمنها بنزوع طفيفة نحو ما يقترب من النزاهة الفكرية مع الاصطفاف العام للمصالح الفرنسية نسج المؤلف صرته لأوضاع يهود المغرب سنة 1907.

وفي السياق الفكري الأوروبي الذي رافق نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ازداد هذا البعد وضوحًا عند مقارنته بما وقع في الجزائر بعد مرسوم أدولف كريميو سنة 1870، والذي منح اليهود الجزائريين الجنسية الفرنسية بشكل جماعي، محولًا إياهم من رعايا محليين إلى مواطنين فرنسيين داخل النظام الاستعماري. أما في المغرب، فقد ظلت فرنسا أكثر حذرًا، فلم تمنح اليهود الجنسية بشكل جماعي بعد الحماية سنة 1912، بل أبقتهم ضمن وضع “الرعايا المحميين”. وهكذا، تكشف قراءة هذا الكتاب كيف تداخلت “المسألة اليهودية” مع المشروع الكولونيالي، وكيف تحولت الكتابات الأوروبية عن اليهود والمغرب إلى جزء من بناء شرعية التدخل الاستعماري نفسه.

قراءة واعداد ذ: محمد نجيب زغلول

السياق التاريخي والسياسي للمغرب أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين

يقدّم النص قراءة تحليلية لكتاب هيس حول اليهود في المغرب الأقصى، فيربط بين البعد السردي للكتاب والسياق التاريخي والسياسي الذي كُتب فيه، خاصة ما عُرف بـ“المسألة المغربية” خلال أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. ويمكن اعتبار جون هيس من الكتّاب الأوروبيين القلائل الذين احتكوا مباشرة بالجاليات اليهودية المغربية، وعايشوا أحياءهم وطقوسهم وعلاقاتهم بالمحيط الإسلامي والأمازيغي. إلا أن هذا الاحتكاك لم يؤدِّ بالضرورة إلى رؤية موضوعية، إذ ظل الكاتب متأثرًا بخلفيته الثقافية الأوروبية وبالصور النمطية التي حملها معه، فانعكس ذلك على تفسيراته وتحليلاته.

يعتمد الكتاب على بنية سردية تجمع بين التقرير الصحفي والوصف الأنثروبولوجي والمذكرة السياسية، مما يمنحه طابعًا متنوعًا يجمع بين التوثيق والملاحظة. يظهر هيس كشاهد يتنقل بين المدن المغربية الكبرى، مسجلًا مشاهداته وحواراته مع أفراد الجالية اليهودية، وهو ما يضفي على النص حيوية وواقعية. وتتناول فصول الكتاب عدة محاور رئيسية، منها الملاح اليهودي باعتباره فضاءً اجتماعيًا ورمزيًا، ووضع اليهود القانوني والاجتماعي داخل الدولة المخزنية، والعلاقات اليومية بينهم وبين المسلمين، إضافة إلى دورهم الاقتصادي، ثم مستقبل الجالية اليهودية في ظل التوسع الفرنسي.

وفي الإطار التاريخي، يوضح النص أن المغرب كان في نهاية القرن التاسع عشر آخر دولة مستقلة في شمال إفريقيا، لكنه كان يعاني من ضعف داخلي وتزايد الضغوط الأجنبية، سواء الاقتصادية أو السياسية. وقد أدى هذا الوضع إلى بروز “المسألة المغربية”، وهي قضية دبلوماسية وسياسية ارتبطت بتنافس القوى الأوروبية، خصوصًا فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإسبانيا، حول النفوذ في المغرب. ولم يكن هذا التنافس مجرد صراع بين دول، بل كان مرتبطًا أيضًا بتغلغل المصالح المالية والشركات الأوروبية بخطابات استعمارية تبرر التدخل تحت شعارات الإصلاح والحماية.

ويبرز النص أن مرحلة “التغلغل السلمي” كانت مقدمة أساسية للاستعمار، إذ اعتمدت القوى الأوروبية على وسائل غير مباشرة مثل القروض والامتيازات القنصلية ونظام الحمايات الأجنبية، بدل اللجوء المباشر إلى الاحتلال العسكري. وقد سمحت هذه الآليات بتوسيع النفوذ الأوروبي داخل المجتمع المغربي وإعادة تشكيل بنيته الاقتصادية والاجتماعية. كما شكّلت المؤتمرات الدولية أداة لتنظيم التنافس بين القوى الكبرى، مثل مؤتمر مدريد سنة 1880 الذي نظم الامتيازات الأجنبية وعمّق التدخل الأوروبي، ثم الاتفاق الودي بين فرنسا وبريطانيا سنة 1904 الذي عزز النفوذ الفرنسي، وأزمة طنجة سنة 1905-1906 التي أظهرت حدة الصراع مع ألمانيا، وأخيرًا مؤتمر الجزيرة الخضراء سنة 1906 الذي أكد استقلال المغرب شكليًا، لكنه منح فرنسا وإسبانيا امتيازات مهمة في مجالات الأمن والموانئ.

يتوقف النص أيضا عند أحداث الدار البيضاء سنة 1907، التي مثّلت مرحلة حاسمة في التوسع العسكري الفرنسي. فقد بدأت التوترات بسبب إنشاء خط سكة حديد قرب مقبرة إسلامية، إذ استغلت فرنسا مقتل عدد من العمال الأوروبيين لتبرير قصف المدينة وإنزال قواتها العسكرية واحتلالها. ويُفسَّر هذا التدخل ضمن منطق القوة الذي حكم السياسة الاستعمارية، حيث استُخدمت العمليات العسكرية والضغوط البحرية لفرض الهيمنة على المغرب وإجبار المخزن على قبول الشروط الأوروبية. وفي هذا السياق يشير الكتاب إلى معطى هام ويتعلق بالدعم المالي، من طرف عائلة روتشيلد، والذي قدر بـ 200000 فرنك فرنسي في إطار تشابك المصالح الاقتصادية الفرنسية مع القرار السياسي والعسكري خلال تلك المرحلة والتي أدت إلى أحداث الدار البيضاء سنة 1907.

التداخل بين المسألة المغربية والمسألة اليهودية في الخطاب الأوروبي

يعالج النص صورة اليهود في المغرب كما قدمتها بعض الكتابات الأوروبية خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، مبينًا كيف تحولت هذه الصورة من مجرد وصف اجتماعي إلى عنصر ضمن الخطاب الاستعماري المرتبط بـ”المسألة المغربية”. ويركز التحليل على أن أوضاع اليهود داخل المجتمع المغربي استُخدمت في كثير من الأحيان لتبرير التدخل الأوروبي تحت شعارات الإصلاح والحماية.

فـ “المسألة المغربية” لم تكن عسكرية فقط، بل كانت أيضًا قضية دبلوماسية تُدار عبر الاتفاقيات والمؤتمرات الدولية. فقد سعت فرنسا إلى تثبيت نفوذها، بينما حاولت القوى الأخرى حماية مصالحها دون الدخول في مواجهة مباشرة. وهكذا أصبح مستقبل المغرب يُناقش في العواصم الأوروبية بقدر ما يُحسم على أرضه، إلى أن انتهى الأمر بفرض الحماية الفرنسية عبر معاهدة فاس سنة 1912.

وفي هذا السياق العام، لا يمكن إغفال البعد الاديولوجي/الفكري الذي واكب هذه المرحلة، والذي كان حاضرًا في بعض الكتابات الأوروبية آنذاك، حيث كانت الظواهر السياسية والاقتصادية تُفسر أحيانًا من خلال أدوار جماعات محددة،  وهنا يظهر خاصة في ما يتعلق بالتداخل بين “المسألة المغربية” و”المسألة اليهودية”. ففي أوروبا، كان النقاش حول اليهود في أوَجِه، خصوصًا بعد قضية دريفوس في فرنسا (1894 – 1906) كحدث مفصلي كشف عمق الانقسام داخل المجتمع الفرنسي حول “المسألة اليهودية”، وانعكس هذا المناخ على بعض الكتابات المتعلقة بالمغرب حيث ربط بعض المؤلفين بين وضع اليهود في المغرب والتدخل الأوروبي، وبين الدور الاقتصادي و دور الوسيط الذي لعبه اليهود داخل المجتمع المغربي وفي علاقاتهم مع أوروبا، معتبرين أن تأثيرهم تجاوز حجمهم العددي.

وأخيرا، يخلص النص إلى أن فهم التدخل الفرنسي في المغرب لا يمكن اختزاله في عامل واحد، بل هو نتيجة تفاعل معقد بين السياسة والاقتصاد والقوة العسكرية والمصالح المالية والخلفيات الإيديولوجية. ويرى الكاتب أن التفسيرات التقليدية تبقى غير كافية وحدها، لذلك يحاول إعادة قراءة العلاقة بين “المسألة المغربية” و“المسألة اليهودية” ضمن إطار تحليلي أوسع يكشف تشابك تلك المصالح والأفكار التي مهّدت للاستعمار الفرنسي للمغرب.. ويُقدَّم هذا الربط كعنصر أساسي في تفسير التدخل الفرنسي إلى جانب العوامل السياسية والاقتصادية.

وضع اليهود في المغرب بين التنظيم الاجتماعي والدور الاقتصادي داخل الاحياء اليهودية (الملاح)

ويدرس النص الوجود اليهودي في المغرب من حيث العدد والبنية الاجتماعية. فقد تراوح عدد اليهود بين 150 و200 ألف نسمة، وهي نسبة محدودة مقارنة بعدد السكان، لكنها اكتسبت أهمية بسبب الأدوار الاقتصادية التي لعبتها بعض الفئات اليهودية. ويبين الكاتب أن اليهود لم يكونوا جماعة متجانسة؛ فالأغلبية عاشت في ظروف صعبة داخل أحياء خاصة تُعرف بالملاح،  وهي فضاءات حضرية مغلقة نسبيًا داخل المدن المغربية. غير أن هذا الوضع لا يُفهم فقط باعتباره عزلة أو تهميشًا، بل باعتباره جزءًا من بنية اجتماعية تقليدية قائمة على التمايز الوظيفي بين الجماعات الدينية والاجتماعية. فالمجتمع المغربي كان يتسم بتعدد مكوناته، مع وجود حدود اجتماعية واضحة لكنها غير صارمة بالكامل، تحدد أشكال التفاعل بين المسلمين واليهود وغيرهم داخل المدينة. ويبرز الكتاب أيضًا طبيعة العلاقات اليومية بين اليهود والمسلمين في المغرب، حيث لم تكن قائمة فقط على التوتر كما تصور بعض الكتابات الاستعمارية، بل شهدت أشكالًا من التعايش والتعاون داخل الأسواق والحياة الحضرية. فقد تقاسم الطرفان اللغة والعادات المحلية، وكان يهود المغرب يتحدثون العربية الدارجة أو الأمازيغية، ويشاركون أحيانًا في مواسم ذات طابع محلي مشترك. ومع ذلك، ظل الخطاب الاستعماري يميل إلى تضخيم الفوارق بين الجماعات لتبرير التدخل الأوروبي باعتباره وسيطًا “متحضرًا”.

أن الى الوظائف الاقتصادية  التي كان يشتغل بها اليهود وتحديدا، ما يتعلق بمجالات التجارة والحرف اليدوية والوساطة المالية، ما جعلهم جزءًا أساسيًا من الاقتصاد الحضري التقليدي القائم على الأسواق المحلية والعلاقات الشخصية وشبكات الثقة، وبالتالي فإن موقعهم لم يكن استثناءً، بل جزءًا من التنظيم الاقتصادي والاجتماعي العام للمدينة المغربية. وفعلا فقد تمكنت أقلية من التجار والوسطاء الماليين من تكوين ثروات، خاصة في المدن الساحلية بفضل علاقاتهم مع الأوروبيين. وهكذا اتسمت علاقتهم بالمجتمع المغربي بازدواجية واضحة تجمع بين التهميش الاجتماعي والوظيفة الاقتصادية المهمة داخل النظام الحضري التقليدي.

كما يعتمد الكاتب على شهادات رحالة ودبلوماسيين وكتّاب أوروبيين زاروا المغرب، والذين قدموا توصيفا مفصلا لحياة اليهود داخل الملاح، من حيث طبيعة السكن وكثافة السكان والحدود الاجتماعية بينهم وبين بقية المجتمع. وقد صورت هذه الشهادات المجتمع المغربي باعتباره مجتمعًا مكوّنًا من جماعات دينية منفصلة نسبيًا، لكل منها فضاؤها الاجتماعي ووظائفها الاقتصادية الخاصة. فاليهود ارتبطوا بالتجارة والوساطة، بينما ارتبطت جماعات أخرى بالفلاحة أو الإدارة أو السلطة التقليدية. و يشير النص إلى أن هذه الشهادات لم تكن محايدة تمامًا، إذ أعادت قراءة الواقع المغربي من منظور أوروبي مقارَن، جعل التمايز الاجتماعي يبدو أكثر حدة مما كان عليه فعليًا. فالتقسيم المكاني للمدينة، والتخصص المهني، والفوارق القانونية والاجتماعية بين الجماعات، قُدمت كلها كدليل على “اختلاف” المجتمع المغربي مقارنة بالنموذج الأوروبي الحديث.

ويؤكد التحليل أن هذه الكتابات ساهمت في بناء تصور أوروبي عن المغرب يقوم على فكرة “التخلف” و”الاختلاف الحضاري”. فقد كان يتم مقارنة وضع اليهود في المغرب بما اعتُبر اندماجًا أكبر  مما حصل لليهود داخل أوروبا خلال القرن التاسع عشر، خاصة مع حصولهم تدريجيًا على حقوق مدنية ومشاركة أوسع في الحياة الاقتصادية والثقافية. ومن خلال هذه المقارنة، جرى تقديم النموذج الأوروبي باعتباره أكثر “تقدمًا”، وبالتالي أكثر أهلية للتدخل وإعادة تنظيم المجتمع المغربي “المتخلف” من اجل تحديثه وعصرنته.

ويبرز النص أن وصف أوضاع اليهود لم يكن مجرد ملاحظات إثنوغرافية، بل تحول إلى أداة أيديولوجية داخل الخطاب الاستعماري. فقد استُخدمت “المسألة اليهودية” ضمن خطاب “الحماية” و”الإصلاح”، بحيث صُوّر التدخل الأوروبي على أنه وسيلة لتحسين أوضاع بعض الفئات الاجتماعية، بدل اعتباره مشروعًا استعماريًا توسعيًا. وهكذا أصبحت أوضاع اليهود جزءًا من السردية التي شرَّعَت التدخل الأوروبي في المغرب.

ويرى الكاتب أن “المسألة اليهودية” لم تكن سببًا مستقلاً خاصا للاستعمار، بل عنصرًا ضمن شبكة أوسع من التبريرات السياسية والاقتصادية و”الإنسانية”. فهي جزء لا يتجزأ من “المسألة المغربية” كما صاغها الخطاب الأوروبي، وليست قضية منفصلة عنها.

يعرض النص أصول يهود المغرب بوصفهم جماعة متعددة الجذور، لا تنتمي إلى أصل واحد، بل تشكلت عبر موجات تاريخية مختلفة. وقد لعب اليهود القادمون من إسبانيا بعد الطرد دورًا رئيسيا في تعزيز الوجود اليهودي بالمغرب ثقافيًا وعدديًا، إلى جانب وجود جماعات محلية اعتنقت اليهودية في فترات سابقة. كما يتناول النص أوضاعهم الاجتماعية، مشيرًا إلى أنهم تعرضوا أحيانًا للضرائب الثقيلة وبعض أشكال العنف أو التهميش، غير أن هذه الأوضاع لم تكن قاعدة ثابتة، إذ عرفت جل الفترات قدرًا من الاستقرار والتقارب مع السلطة المخزنية. ويرى الكاتب أن استمرار الجماعة اليهودية رغم الصعوبات ارتبط بقوة تنظيمها الديني والاجتماعي، وبنمط حياتها القائم على قواعد دقيقة في التغذية والنظافة والعلاقات الداخلية.

الاطار القانوني لليهود كرعايا للمخزن المغربي بعد الحماية وكمواطنين فرنسيين بعد مرسوم كريميو 1870 في الجزائر

أما من الناحية القانونية، فقد عاش يهود المغرب كـ”رعايا” للمخزن (السلطة المركزية). غير أن علاقتهم بالمخزن (ضمن التمايز الطبقي في المجتمع ككل) لم تكن موحدة؛ فبعضهم شغل وظائف مهمة كوسطاء تجاريين وخبراء ماليين بل وكممثلين دبلوماسيين لبلدهم المغرب، بينما عاش آخرون أوضاعًا هشة. وتتضح خصوصية وضع يهود المغرب أكثر عند مقارنته بيهود الجزائر. ففي الجزائر أحدث مرسوم وزير العدل أدولف كريميو (الذي كان يهوديا فرنسيا) سنة 1870 تحولًا جذريًا، إذ منح اليهود الجزائريين الجنسية الفرنسية بشكل جماعي، فتحولوا من رعايا محليين إلى مواطنين فرنسيين مندمجين قانونيًا وسياسيًا في النظام الاستعماري.

أما في المغرب، فبعد فرض الحماية سنة 1912، لم يحصل اليهود على الجنسية الفرنسية الجماعية، بل ظلوا “رعايا” (مثل المسلمين المغاربة) تابعين للبنية القانونية المحلية، مع إمكانية التجنيس الفرنسي فرادى فقط. وهكذا يعكس الفرق بين الحالتين واختلاف طبيعة الاستعمار نفسه: ففي الجزائر كان الاستعمار قائمًا على الإدماج المباشر، بينما اعتمدت فرنسا في المغرب نظام الحماية الذي حافظ نسبيًا على المؤسسات والبنى المحلية. إن انتقال الاستعمار الفرنسي من الاستعمار المباشر (الجزائر 1830) لقي معارضة ألمانية (خصوصا بعد انتصارها على فرنسا 1870)، فأخذ الصبغة المخففة في تونس (1881) بالأحرى في المغرب (1912) حيث البنية الإدارية للدولة ذات هندسة إدارية وظيفية متجذرة منذ أكثر من ألف عام.

الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية ليهود المغرب وتحولات المجتمع المغربي خلال الفترة الانتقالية بين أواخر القرن 19 وبداية القرن 20

يتناول النص الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية ليهود المغرب ضمن سياق التحولات التي عرفها المجتمع المغربي خلال أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. فمن الناحية الاجتماعية، يوضح الكاتب أن اليهود عاشوا داخل بنية تقليدية فرضت عليهم موقعًا خاصًا داخل المجتمع، حيث ارتبطت بعض الصفات المنسوبة إليهم، مثل الحذر والاعتماد على شبكات التضامن والسعي إلى استثمار الفرص، بظروف العيش في وضعية هشاشة وضغط مستمر. ومع ذلك، يؤكد أن هذه السمات لا يمكن تعميمها على جميع أفراد الجماعة بسبب اختلاف أوضاعهم الاجتماعية ومستوياتهم الاقتصادية. وفي هذا السياق، يوضح الكاتب أن اشتغال اليهود بالتجارة والوساطة المالية لم يكن مجرد اختيار حر، بل ارتبط بالقيود التي حدّت من مشاركتهم في مجالات أخرى مثل الزراعة أو السلطة السياسية. وهكذا أصبح وجودهم داخل بعض الأنشطة الاقتصادية جزءًا من التنظيم الاجتماعي التقليدي القائم على التخصص الوظيفي بين الفئات المختلفة داخل المجتمع المغربي.

أما على المستوى الاقتصادي العام، فيبرز الكتاب كيف تحول المغرب إلى مجال اهتمام استثماري بالنسبة للقوى الأوروبية، نظرًا لثرواته الزراعية والمعدنية وموقعه الاستراتيجي الرابط بين البحر المتوسط والمحيط الأطلسي وإفريقيا. فقد اعتُبرت مناطق الشاوية والغرب وسوس فضاءات واعدة للإنتاج الفلاحي الموجه نحو التصدير، كما أثارت الثروات المعدنية المحتملة اهتمامًا أوروبيًا متزايدًا، حتى وإن ظل استغلالها محدودًا في تلك المرحلة.

ويشير النص أيضًا إلى أن القروض والديون الخارجية أصبحت وسيلة أساسية للنفوذ الأوروبي داخل المغرب، حيث مارست البنوك والمؤسسات المالية الأوروبية ضغطًا متزايدًا على الدولة المغربية عبر التحكم في مواردها المالية. كما ساهم نظام الامتيازات القنصلية والحماية الأجنبية في توسيع النشاط التجاري الأوروبي على حساب الاقتصاد المحلي التقليدي، مما عمّق التبعية الاقتصادية للمغرب.

وفي الفصول الأخيرة، يصف الكتاب التحولات المجتمعية التي عرفها المجتمع اليهودي، خاصة في طنجة، مع ظهور فئة متأثرة بالثقافة الأوروبية  التي تجلت في أنماط عيشها  واللباس العصري والتفكير. وقد أدى ذلك إلى تباين داخل الجماعات اليهودية  بين تيار محافظ وآخر منفتح على التغيير، وتفاعلاتهم مع  بالمجتمع المغربي ومدى تأثيرهم فيه. ويبرز النص أيضًا دور المرأة اليهودية في هذه التحولاتتجاه الحداثة الاوروبية، من خلال مساهمتها في تحسين أوضاع الأسرة والانخراط في أنماط اجتماعية جديدة بحثًا عن ظروف أفضل. كما يبرز النص أن المجتمع اليهودي لم يكن متجانسًا، إذ عاشت الأغلبية في ظروف صعبة داخل أحياء “الملاح”، تصارع الفقر والاكتظاظ والهشاشة، في حين تمكنت فئات محدودة من تحسين أوضاعها بفضل نشاطها التجاري وعلاقاتها مع الأوروبيين. وفي المدن الساحلية، خاصة طنجة والدار البيضاء والصويرة، ظهرت فئة من التجار والوسطاء الماليين الذين استفادوا من إتقان اللغات الأجنبية ومن اندماجهم في شبكات تجارية دولية، ما منحهم دورًا اقتصاديًا مهمًا داخل حركة التبادل التجاري.

القراءة النقدية المزدوجة للخطاب الكولونيالي

ومن خلال هذه القراءة المتانية يبدو ان الكتاب يكشف، عن قراءة نقدية، وعن أبعاد إيديولوجية مرتبطة بالسياق الاستعماري الفرنسي ، إذ لا يمكن اعتباره مجرد وصف محايد لواقع يهود المغرب، بل جزءًا من الخطاب الكولونيالي نفسه. فجون هيس يُقدّم اليهود المغاربة أحيانًا باعتبارهم جماعة تعيش وضعًا يستدعي “الإنقاذ” الفرنسي، وهو تصور يخدم خطاب الحماية ويمنحه بعدًا إنسانيًا يبرر التدخل الاستعماري. كما يظهر في بعض فصوله خطاب يقوم على التراتبية الحضارية، حيث تُصنَّف المجتمعات والجماعات وفق معايير أوروبية تعتبر نفسها أكثر “تقدمًا”. ومن اللافت أيضًا غياب صوت اليهود المغاربة بوصفهم فاعلين تاريخيين يعبرون عن تجاربهم الخاصة، إذ يظهرون غالبًا كموضوع للوصف لا كأصحاب رواية مستقلة. ومع ذلك، يبقى الكتاب وثيقة تاريخية مهمة لفهم مرحلة انتقالية حاسمة في تاريخ المغرب، لما يقدمه من معطيات حول التحولات الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية. الا أن قراءته اليوم بموضوعية اكثر تقتضي دراسة مقارنة بمصادر مغربية وأبحاث حديثة أعادت الاعتبار لأصوات اليهود المغاربة أنفسهم خلال نفس الفترة الزمنية وفي نفس السياق السياسي.

خاتمة

وختاما فإننا و من خلال قراءتنا لكتاب “إسرائيل بالمغرب” نخلص إلى صورة مركبة لوضع اليهود المغاربة خلال مرحلة تاريخية اتسمت بالتحولات السياسية والاجتماعية والتدخل الاستعماري الأوروبي مع بدايات القرن العشرين. فالكتاب يجمع بين الوصف التاريخي والتحليل الاجتماعي/الانتربولوجي والاثتنوغرافي  ، لكنه يعكس أيضًا حدود الرؤية الاستعمارية التي قرأت المجتمع المغربي من منظور أوروبي مقارن، و مشبع بأحكام مسبقة وخلفيات إيديولوجية كولونيالية. ومن هنا تبرز أهمية القراءة النقدية المزدوجة التي تستفيد من معطيات النص، وفي نفس الوقت نفسه تعمل على تفكيك وانتقاد  خطابه الكولونيالي وسياق إنتاجه. و تؤكد هذه القراءة، دون ادنى لبس،  أن اليهود المغاربة لم يكونوا مجرد جماعة هامشية أو موضوع السياسات الاستعمارية، بل مكونًا أصيلًا من مكونات المجتمع المغربي ساهم في الحياة الاقتصادية والثقافية والحضرية للبلاد رغم عدم استيفاء حقوقهم كمواطنين مغاربة آنذاك أسوة بنظرائهم في الجزائر، و فهم يقتضي تاريخهم الاعتماد على مقاربات أكثر توازنًا وإنصافًا، تُعيد الاعتبار من خلال التاريخ المغربي المشترك لحضورهم ولتجاربهم داخل المجتمع المغربي.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist