تقديم
يعتبر هذا النص جزءا من كتاب “توسعنا الاستعماري في أفريقيا من 1870 إلى يومنا هذا” لبول غافاريل (1918)، وتحديدا الفصل الثالث منه والمعنون في الكتاب بـ”الحماية الفرنسية في المغرب”. عموما يستحيل فهم كتاب “توسّعنا الاستعماري في أفريقيا” دون استيعاب الشخصية الفكرية والسياسية لمؤلفه بول غافاريل. فهو ليس مجرد مؤرخ أكاديمي بالمعنى المتعارف عليه، بل هو نموذج بالغ الدلالة لما يمكن تسميته بـ”المثقف العضوي الاستعماري”، وكمؤرخ خرّيج المدرسة العليا للأساتذة بباريس، وعضو في جمعية الجغرافيا، ومدافع متحمس عن مبدأ التوسع الاستعماري في المنابر السياسية والأكاديمية على حد سواء. وقد وصفه معاصروه بأن أيديولوجيته السياسية تجمع بين “الجمهورية ومناهضة الملكية والاستعمارية ومعاداة حقوق العمال”، وهو توصيف يكشف عن التوترات الداخلية في الفكر الجمهوري الفرنسي في مرحلة توسعه الإمبريالي.
يستعرض هذا النص تاريخ العلاقات الفرنسية-المغربية على مدى قرون، من علاقات تجارية في القرن الثاني عشر إلى فرض الحماية الكاملة مطلع القرن العشرين. بدأت الصلات بين فرنسا والمغرب منذ العصور الوسطى عبر التبادل التجاري، وتوطّدت تدريجياً بمعاهدات وبعثات دبلوماسية، أبرزها بعثة بيير دو بيتون عام 1531 التي أرست أول تواصل رسمي بين البلاطين. غير أن الحروب والقرصنة والتنافسات الأوروبية أعاقت استمرار هذه العلاقة وجعلتها متقطعة ومتقلبة بين الانجذاب والنفور.
شكّل احتلال الجزائر عام 1830 منعطفا حاسما أشعل فتيل ما بات يُعرف في الأدبيات الدبلوماسية بـ”المسألة المغربية”، إذ أصبح المغرب جاراً مباشرا لفرنسا، مما أوجد توترات متصاعدة أفضت إلى حرب 1844 وما أعقبها من معاهدات إشكالية، لا سيما معاهدة 1845 التي أثارت نزاعات حدودية مستمرة حول مناطق كفجيج وما جاورها من أقاليم التوات، التي ظلت بؤرة مقاومة ومركزاً للتحريض ضد الوجود الفرنسي لعقود طويلة. وقد بلغت المسألة المغربية ذروتها على الصعيد الدولي مع مطلع القرن العشرين، إذ تحوّل المغرب إلى ساحة تنافس مكشوف بين القوى الكبرى: إسبانيا تطالب بحقوق تاريخية، وإنجلترا تعارض أي توسع فرنسي، وإيطاليا تسعى للانتقام من إخفاقها في تونس، وألمانيا تهدد بالتدخل العسكري كما جلت أزمة أكادير 1911. فعبر مفاوضات محكمة أبرمت فرنسا اتفاقيات مع هذه القوى: تنازلت لإنجلترا عن مصر مقابل الاعتراف بنفوذها في المغرب عام 1904، وحدّدت مع إسبانيا مناطق النفوذ، بينما دفعت لألمانيا ثمناً استعماريا باهظا في الكونغو لحسم المسألة نهائياً. وعلى الأرض، جاء تعيين الجنرال ليوطي مقيما عاما عام 1912 بالمغرب ليسدل الستار على “المسألة المغربية” بمعناها الدولي، ويوحد القيادة ويرسّخ الحضور الفرنسي رغم مقاومة القبائل وانتفاضة فاس. وبسلسلة من العمليات العسكرية امتدت حتى سوس جنوباً وتازة شرقا، تحكّمت فرنسا تدريجيا في معظم التراب المغربي، ليختم الكاتب نصه بنبرة تفاؤلية معلنا أن المغرب بات “جوهرة التاج الاستعماري الفرنسي”.
الحلقة الأولى
************
I – العلاقات القديمة بين فرنسا والمغرب من القرن الثاني عشر الى القرن التاسع عشر
بينما كان جنودنا يوسعون في الصحراء وتونس رقعة المجال الاستعماري الفرنسي، بينما كان مستكشفونا يسعون إلى ربط ممتلكاتنا المتناثرة في نطاق واحد متماسك، برزت فجأة – أو بالأحرى أُعيد فتح – مسألة بالغة الأهمية، هي مسألة المغرب. ويبدو اليوم أنها قد حُسمت لصالحنا، وإن كانت ربما تنطوي على مفاجآت لم تكتشف بعد. غير أن كل شيء يحملنا على الأمل بأنها ستحل لمصلحة فرنسا.
تعود علاقاتنا بالمغرب إلى أمد بعيد؛ فوفقا للتقليد، إلى عهد شارلمان. وفي النصف الأول من القرن الثاني عشر، كانت مرسيليا تتعامل تجارياً مع المغرب أو بلاد المغرب. وفي عام 1138 جرى التوقيع على معاهدة مع أحد سلاطين المرابطين لتنظيم رحلات تجارنا وتأمينها، مما يوحي بأن الصلات كانت قائمة منذ وقت طويل قبل ذلك. وبعد قرن، في عامي 1228 و1255، اهتمت الوثائق الرسمية الصادرة عن إدارة بلدية مدينة مرسيليا بنقل مختلف البضائع – من خمور وزيوت وأقمشة وعبيد – إلى سبتة حيث كانت لنا محطة تجارية. وثمة الحديث ايضا عن ذكر امرأة تدعى عائشة بيعت في مرسيليا بما يعادل قرابة أربعمائة فرنك من عملتنا الحديثة. وفي القرن الخامس عشر كان ممولنا الكبير جاك كور Coeur Jacques يرسل سفنه إلى الموانئ المغربية، وحين ورث لويس الحادي عشر بروفانس la Provence عن الملك رينيه، René ، حرص على ألا يهمل مصالح رعاياه الجدد في المغرب.
وعلى الرغم من وجود أحياء للفرنكيين ( quartiers francs) في تلمسان ومراكش، كانت المعاملات التجارية تتمركز في المدن الساحلية التي كانت أسماؤها مدونة على خرائط الملاحة في تلك الحقبة: ألكودية ، وبادس، وسبتة، وطنجة، وأصيلة، والعرائش. وكانت في هذه الموانئ فنادق وأسواق يحرسها وكلاء خاصون، وكنائس تتيح للمسيحيين ممارسة شعائرهم الدينية. وكانت التهريب محظوراً بشدة، إلا أن إهمال المسلمين كان يُعين على الغش، فكان تجارنا يستوردون دون أن يدفعوا رسوما باهظة: الصقور والأسلحة والأدوات المعدنية وأقمشة آراس draps d’Arras ولانغدوك Languedoc وباريس، وأقمشة بورغوني toiles de Bourgogne, ، والحرير والعطور والتوابل وحتى الخمر. أما أهم الصادرات فكانت العبيد، والجلود – ولا سيما المغربية – والمواد الصبغية والفاكهة والصوف والسجاد وريش النعام والمرجان وقصب السكر الذي كان يُزرع في المنطقة آنذاك. وهكذا كانت ثمة، على الرغم من الاختلافات في التنظيم الاجتماعي والتنافر الديني، علاقات مصلحة واسعة ومستوى من الثقة يفوق ما قد يُتخيَّل بين المسيحيين والمسلمين.
وفي القرن السادس عشر أصبحت المعلومات أكثر دقة. ففي عام 1531 عاد من المغرب رجل من بريسان Bressan اسمه, Hémon de Molon هيمون دو مولون يحمل رسالة من ملك فاس إلى فرانسوا الأول François 1er . وكان يحكي عجائب البلاد وثرواتها. وكان ذلك الوقت الذي راحت فيه أنباء اكتشافات الإسبان وفتوحاتهم الخرافية في العالم الجديد تنتشر في أوروبا، فاستعرت في النفوس جميعاً نار الطمع. وظن فرانسوا الأول أن المغرب سيفتح أمام فرنسا بمثل السهولة التي فتح بها المكسيك أمام الإسبان. فقرر إيفاد بعثة نصفها تجاري ونصفها دبلوماسي، عهد بقيادتها إلى الكولونيل – أي زعيم المجموعة – بيير دو بيتون Pierre de Piton.
كان دو بيتون مغامرا ذا سمعة سيئة نسبيا، لكنه كان يُعدّ شجاعاً. وصحبه هيمون دو مولون وخمسة من النبلاء المتطوعين الباحثين عن مغامرات في البعيد، فضلاً عن هدايا متواضعة موجهة إلى حكام المنطقة. أبحر الفرنسيون من هونفلورHonfleur في الخامس والعشرين من مارس 1531 على متن سفينة ملكية تدعى سان بيير يقودها شخص يُدعى أوكسيليا الذي سرعان ما نشأ بينه وبينهم خلاف حاد. وكان الإنزال في العرائش. توجه بيتون فور وصوله إلى السلطان أحمد الوطاسي من سلالة المرينيين، الذي كان يتنازع بقايا إمبراطوريته مع مولاي محمد مؤسس الإمبراطورية السعدية. كان الاستقبال حارا. واستغل بيتون إقامته لدراسة موارد البلاد، ولا سيما من الناحية العسكرية، حتى ليخيل إليك أنه كان يعد لفتح وشيك. وكان يؤكد أنه قادر بأربعمائة حامل بندقية فحسب على اعتقال الملك وتشتيت جنوده، ولا يطلب سوى سبعة أو ثمانية آلاف جندي من المشاة لأخذ فاس وسائر مدنها وطرد أهلها من بلادهم.
لم يكن ذلك في الغالب سوى تبجح بطولي، بيد أن المثال الإسباني في أمريكا كان معديا، ولم يعد أحد يشك في شيء. وبعد مفاوضات طويلة كادت تفقد بيتون صبره، نال أخيراً جلسة توديع، وأعد نفسه للعودة إلى فرنسا حاملاً رسالة من السلطان مؤرخة في الخامس عشر من غشت 1533، وهي أول وثيقة رسمية تتبادلها البلاطان، إلى جانب هدايا متنوعة أغلبها من الحيوانات النادرة مخصصة للحدائق الملكية. غير أنه أُدرك بالمرض فمات في الطريق ببيونا الإسبانية في سبتمبر 1533، بعد أن أتيح له الوقت ليكتب للملك تقريرا متفائلا أوصى فيه بالتحالف بين البلدين.
على الرغم من شح نتائج بعثة بيتون العملية، كان المغرب قد انفتح رسمياً تجاه فرنسا، وأصبح لتجارنا الحق في توقع أسواق جديدة لنشاطهم. غير أن الحرب مع إسبانيا والبرتغال كانت تحتدم، فظلت المنافذ البحرية كلها موصدة. علاوة على ذلك لم تكن الحكومة تُولي شؤون ما وراء البحار إلا اهتماما ضئيلا. ويُفسّر هذا الإهمال أو بالأحرى النسيانَ الذي آلت إليه علاقاتنا بالمغرب. ولا يكاد اسم المغرب يطل في وثائق تلك المرحلة إلا نادرا. وفي عام 1559 رغب أمير فرنسي هو أنطوان دو بوربونAntoine de Bourbon ملك نافارNavarre، والد هنري الرابع، في إقامة منشأة (un établissement) في المغرب ، ودخل في مفاوضات بشأن ذلك مع السلطان مولاي عبد الله ، إلا أن ملك إسبانيا فيليب الثاني وقف أمام هذا المشروع موقفا حازما رافضا، إذ كانت تحقيقه يمكن أن يفضي إلى حماية فرنسية على البلاد.
وكانت إسبانيا تخشى تدخلنا في هذا البلد الذي كانت هي ذاتها تطمع فيه. فلم ترد أن يغدو استغلاله منتظماً ودائماً، فلجأت إلى الدسائس وعند الحاجة إلى التهديدات لإبعاد تجارنا. فضلاً عن ذلك بدأت القرصنة تشنّ غاراتها، وراح أسرى فرنسيون يتكدسون في سجون المغرب. ويعود الفضل لهنري الثالث في أنه أسدى لمواطنينا قدراً من الأمان بتعيينه قنصلا لفرنسا في المغرب هو الحلاق البروفنسالي السابق بيرار l’ex-barbier provençal Bérard ، الذي تسلم مهامه في الحال في العاشر من يونيو 1577. وهو الشخص الذي صادفه المرسيلي فانسان لوبلان Vincent Leblanc في المغرب إبان رحلته عام 1578، واستمر في منصبه حتى عام 1591.
وبعد وفاته عين في المنصب ذاته رجل يدعى جورج فورنييه. Georges Fournier. وأقام في البلاد في الوقت ذاته عدد من الفرنسيين، أغلبهم أطباء. وكان أحدهم، بيير تريان، ضابطا في البحرية السلطانية عام 1596، وهو الذي بعث من روان عام 1597 إلى مونتمورانسي – دامفيل تقريرا بآخر الأحداث في المغرب. ومن الفرنسيين المقيمين في فاس آنذاك الدكتور هوبيرDr Hubert، الذي كان مولعا بتعلم العربية أكثر من ممارسة مهنته، فعاد إلى فرنسا محملا بالعلوم والكتب العربية أكثر مما هو محمّل بالثروة. وخلافه كان طبيب آخر يدعى دو ليسل Lisle de أقام طويلا لدى السلطان بوصفه جاسوسا، وجمع ثروة طائلة وانتهى به المطاف ممثلاً رسميا لهنري الرابع وشبه سفير له.
طوال القرن السادس عشر إذن لم تنقطع علاقات فرنسا بالمغرب قط، وظلت دائما ودية. أما القرنان التاليان فقد اختلف فيهما الحال؛ ذلك أن الفوضى غدت النمط السائد في المنطقة، كما أن القرصنة، وهي صناعة وطنية حقيقية للسكان الأصليين، أوقفت كل تجارة منتظمة. غير أن تجارا من نورماندي وسانتونج بل وهوغونوتيين لانغدوكيين جاؤوا ليتاجروا هناك، ولم يتخل المرسيليون عن سعيهم لتأسيس مقرات دائمة لهم.
وقد أشعلت خيانة أحدهم، فيليب دو كاستلان، الذي يبدو أنه انتهز ثقة السلطان ليسرق كتباً وأحجارا كريمة وأشياء ثمينة، فتيلَ قطيعة طويلة عام 1616. ونجح في ردم هذه الهوة أحد أفضل معاوني ريشيليو Richelieu في مشاريعه البحرية، فارس مالطا إيزاك دو راسيي. Chevalier de Malte Isaac de Rasilly فبعد بعثة أولى عام 1619 للتفاوض على معاهدة تحالف، اقترح على الكاردينال إنشاء مقر حقيقي في المغرب، وأشار في مذكرة عام 1626 إلى جزيرة موغادور باعتبارها النقطة الأجدر بالاحتلال “لتثبيت قدم في أفريقيا والتمدد أبعد”. وفي عام 1629 حاصر بأسطول من سبع سفن ميناء سلا ملجأ القراصنة، وكفل بمعاهدة 1631 حرية التجارة والتسامح الديني. كان راسيي Rasilly رائداً حقيقياً، يستحق أن يذكر بوصفه أحد أكثر الرجال إسهاما في ترسيخ نفوذنا في المغرب.
في عهد لويس الرابع عشر أقام بعض المرسيليين في أسفي ثم في سلا، ونجح تجار من بروفانس – آل برا les Prat ، وغيرهم – رغم الفوضى الرهيبة التي أنهكت المغرب قبل أن يتمكن مولاي الرشيد من تأسيس مملكة الأشراف ، في الحفاظ على النفوذ الفرنسي بل وتعزيزه.
عام 1664 استغل الأخوان ميشيل ورولان فريجوس Michel et Roland Fréjus حاجة المتنافسين على العرش إلى دعم التجار الأوروبيين لتزويدهم بالسلاح والذخيرة، وراودهم حلم أن يهدي المغرب فرنسا موقعاً محصناً في ريف الحسيمة كان الأوروبيون الأوائل الذين ينفذون إليه. غير أنهم وُشي بهم كجواسيس فسُجنوا، وتُركت المحطات التجارية التي أسسوها مهجورة وتبخر الأمل في إقامة موطئ قدم ثابت.
عام 1680، في أوج عهد لويس الرابع عشر، كان يبدو للوهلة الأولى أن الملك الأقدس المسيحي وأمير الأشراف – وكان آنذاك مولاي إسماعيل ، ربما أفضل حاكم تربّع على عرش المغرب – سيعقدان تحالفا خدمة لمقتضيات سياستيهما. وفي عام 1682 أرسل مولاي (إسماعيل) إلى فرساي سفيرا يدعى محمد توين استطاع إبرام معاهدة سلام أجاز بموجبها الشريف الإفراج عن الأسرى الفرنسيين وضمن لمواطنينا حرية التجارة والملاحة. وأراد مولاي (إسماعيل) استكمال هذه المعاهدة بتحالف ضد إسبانيا، لكن ممثلينا سان أمان وبيدور دو سان أولون Saint-Amand Pidon de Saint-Olonلم يتمكنا من التوصل معه إلى اتفاق بشأن فدية العبيد المسيحيين سنة 1694. ولم يثبّط ذلك مولاي (إسماعيل) ، فأرسل عام 1699 إلى فرساي سفيرا ثانيا هو عبد الله بن عيسى. استُقبل استقبالا رائعا، وانبهر إلى حد أنه ظن نفسه مأذونا له في المطالبة لسيده بيد الآنسة دو بلوا Mlle de Blois، الابنة غير الشرعية للويس الرابع عشر من المدام دو لافالييهMme de La Vallière. . ولم يؤخذ هذا الطرح مأخذ الجد، ولم تفض معاهدة التحالف إلى شيء. فقد قطع المزاج المتعجرف للوزراء الفرنسيين ومطامع المستبد الأفريقي دابر أي رغبة في التوصل إلى تفاهم. وقد ضيعنا بذلك فرصة إبرام سلام حقيقي مع المغرب وترسيخ تفوقنا فيه لأمد طويل.
ومنذ ذلك الحين بدأت مرحلة من الاضطرابات والفوضى زادها سياسة الانكفاء التي انتهجها لويس الخامس عشر. فتجاوز القراصنة المغاربة، ولا سيما قراصنة سلا، كل حد رغم مناوراتنا البحرية، والإخفاقات المتكررة التي مني بها الآباء التثليثيونPères Trinitaires المكلّفون بافتداء الأسرى ورعاية مصالحنا لم تفعل سوى إثبات عجزنا. ولم تكن تنقص الفرنسيين النجباء – ومعظمهم من المرسيليين – الراغبين في إعادة الوئام، بل كانوا يفكرون حتى في إنشاء محطات تجارية على الساحل. غير أن مساعي موف Meuve عام 1724 وستورلو Sturloعام 1726 وأندريه ري André Rey عام 1732 ولا سيما جوزيف إتيان ري Joseph-Etienne Rey من 1750 إلى 1780 كانت جميعها دون جدوى.
في عام 1767، إثر قصف سلا والعرائش، نجح الكونت دو بروينيون de Breugnon في إبرام معاهدة جديدة أعادت جل بنود اتفاقية 1682 المتعلقة بالتجارة والملاحة، مع إضافة مهمة هي أن السكان الأصليين العاملين مترجمين أو سماسرة لدى تجار فرنسيين باتوا مُقالين من الولاية المحلية وأصبحوا محميين فرنسيين، وكانوا يعرفون بالقنصليين censaux. . وحين غادر المغرب تركه يحمل منصب القنصل شينييه Chénier, ، والد الشاعرين الكبيرين. كان ذلك آخر عمل دبلوماسي بين البلدين في عهد النظام القديم، إذ لم يعتد بالمشروع الذي قدّمه المسيو المستقبلي دو سوفران، بايلي Bailli de Suffren ملازم السفن آنذاك، والذي استلهم خطط الأخوَين فريجوس واقترح تأسيس مقر في الجزر الجعفرية. على الأقل ظلت هيبة فرنسا قائمة بفضل حضور عدد من التجار الذين احتفظوا رغم المنافسة الشرسة من إنجلترا وهولندا وجنوة بل والدنمارك بتفوق تجارتنا بكل الوسائل. وبناء على جهودهم ومثابرتهم، كان لنا الحق في المطالبة لفرنسا بشرف ممارسة دور خاص في المغرب، بإيقاظه من سباته المديد وإدخاله في رحاب الحضارة.
*******
يتبــع
[1] هو السلطان علي بن يوسف (1106–1143)، نجل مؤسس الإمبراطورية المرابطية العظيم يوسف بن تاشفين.
[1] في هذا السياق الجغرافي الدقيق لشمال المغرب ، فإن المقابل الحالي لميناء ألكوديا (أو الكدية) هو ميناء المضيق الساحلي بمدينة المضيق التي كانت تُسمى سابقاً “رينكون” إبان الحماية الإسبانية، وتقع مباشرة شمال مدينة تطوان.
[1] سلطان فاس في المغرب عام 1531 هو أبو العباس أحمد بن محمد الوطاسي المعروف في المصادر التاريخية باسم أبو العباس الوطاسي.
[1] مولى عبد الله المقصود في عام 1559 هو السلطان أبو محمد عبد الله الغالب بالله (المعروف بـ عبد الله الغالب)، وينتمي هذا السلطان إلى الدولة السعدية، وهو ثاني سلاطينها بعد توحيد المغرب.
[1] السلطان المقصود هو مولاي الرشيد بن الشريف، وهو المؤسس الفعلي للدولة العلوية في المغرب (والتي تُعرف تاريخياً بدولة الشرفاء السجلماسيين)
[1] لسلطان المولى إسماعيل بن الشريف هو ثاني سلاطين الدولة العلوية، ويُعتبر المؤسس الحقيقي والرجل القوي الذي ثبت أركان الدولة ووحد المغرب تحت سلطة مركزية صارمة ودام حكمه 55 سنة من 1672 إلى 1727
[1] عركة ترافلغار (Bataille de Trafalgar)، أو ما تُعرف في المراجع العربية باسم “معركة الطرف الأغر”، هي واحدة من أهم وأشهر المعارك البحرية في التاريخ الحديث. دارت رحاها في 21 أكتوبر 1805 بين الأسطول الملكي البريطاني من جهة، والأسطول المشترك لفرنسا وإسبانيا من جهة أخرى (للتحالف الفرنسي-الإسباني بـ 33 سفينة حربية مقابل 27 سفينة بريطانية). واحرز الانجليز نصرا ساحقا في معركة الطرف الاغر حيث دمر الأسطول البريطاني سفن العدو بالكامل دون أن يفقد سفينة بريطانية واحدة. حيث استولى الإنجليز على 17 سفينة فرنسية وإسبانية وأغرقوا 4 أخرى.
[1] المقصود ب“الشريف عبد الرحمن“ في هذا السياق هو السلطان المولى عبد الرحمن بن هشام [1.2]، وهو من سلاطين الدولة العلوية (الموصوفة في النص بالشريفة لنسبها الممتد إلى آل البيت) [1.2]، وحكم المغرب لفترة طويلة امتدت من 1822 إلى 1859
[1] محاولة ضم تلمسان: بعد الغزو الفرنسي للجزائر وسقوط نظام الإيالة عام 1830، بادر سكان تلمسان (نظراً لقربهم الجغرافي والروحي من المغرب) إلى مبايعة السلطان المولى عبد الرحمن لحمايتهم. أرسل السلطان بالفعل قوات ووكلاء إلى تلمسان وحتى مشارقها، لكن المحاولة فشلت أمام الضغط العسكري الفرنسي الصارم. بعد اشتداد الضربات الفرنسية على المقاومة الجزائرية، لجأ قائد المقاومة الأمير عبد القادر الجزائري إلى الأراضي المغربية (المنطقة الشرقية) للاحتماء وإعادة تنظيم صفوفه، مستفيداً من الدعم الشعبي والقبلي المغربي الكبير. اعتبرت فرنسا إيواء السلطان للأمير عبد القادر خرقاً سافراً لسيادتها وتحدياً مباشراً لها، مما دفعها لإعلان الحرب على المغرب عام 1844. وتجلى هذا الصدام في قصف الأسطول الفرنسي لمدينتي طنجة والصويرة، ووقوع معركة إسلي الشهيرة (14 أغسطس 1844) قرب وجدة، والتي انتهت بهزيمة الجيش المغربي واضطرار السلطان لتوقيع معاهدة طنجة والتخلي عن دعم الأمير عبد القادر.
[1]: توفي السلطان المولى عبد الرحمن بن هشام في أغسطس 1859 في مكناس بعد فترة حكم طويلة وصعبة دامت 37 عاماً واجه فيها ضغوطاً استعمارية كبرى (مثل معركة إسلي) وتولي سيدي محمد (المعروف بمحمد الرابع): كان سيدي محمد بن عبد الرحمن يشتغل نائباً لوالده وقائداً للجيش. بمجرد وفاة والده في أغسطس 1859، بويع سفيراً وسلطاناً جديداً للمغرب تحت اسم السلطان محمد الرابع (والذي يشار إليه في النصوص الفرنسية بـ (Sidi-Mohammed)