بـوفــالــو ..

عبد الإله ابعيصيص

قطرات ضوء تنهمر من صنابير معلقة
في سقفِ الغياب،
تغسل عتمة الأرصفة المتعبة،
وتترك على وجوه المارة
ابتسامات بلهاء صغيرة…
كأنها نوافذ لا تفتح إلا فجأة
في جدار ليل طويل…
ما الذي قد تفعله
رائحة كوب من الذاكرة الهاربة
من الصفحة الأولى
لكتاب مهجور؟
من حياة مرت سريعا
كحب يتكئ على ذاكرة ملآى بالعتاب،
رائحة لها لون مساء
يظلله الغياب.
وإيقاع قصيدة
نسيت كل حروفها
في حقيبة مهملة
تركها شاعر
في محطة قطار سريع..
كان ثمة كوب بارد
تعلقت على حوافره
نفس رائحة المساء الأخير،
المساء الذي يشبه
وجوه الراحلين
حين يلوحون من بعيد
بشارات نصر يشبه الخسارة،
يرحلون ولا يعودون.
رائحة تشبه القهوة تماما،
وربما تشبه الحنين،
بل هي شيء بينهما…
كقلب أصيب منذ زمن
بداء فقدان المناعة ضد الغياب،
فصار يلتقطُ الحزن
من أقل الأشياء:
من مقعد فارغ،
ومن أغنية مبتورة،
تلك الأغنية التي تكفي لوحدها
كي يشتعل القلب شوقا،
ومن اسم يمر
في نشرة أخبار المساء
فيصير ليلا أطول.
نفس الاسم الذي يمر
صدفة فيشتعل القلب
شوقا مرة أخرى…
“بوفالو” ذاكرة الصفحة الأولى
التي فرت منها الحكاية،
وتركت خلفها
بقعا من ضوء باهت
وخطوات مرتبكة
وعطرا لا يعرف إلى من يعود.
أما المساء
فكان يهبط بطيئا
بلون قصيدة متعبة،
قصيدة نسي، هذه المرة، شاعرها
كل الحروف
في حقيبة رمادية،
داخل محطة قطار سريع،
ينتهي به المسير في
RABAT AGDAL
يجلس وحيدا
يراقب المدن وهي تمر
كأنها أعمار لا تخصه.
يا لهذه الرائحة…
كيف تستطيع
أن توقظ موتى القلب برشفة واحدة؟
كيف تجعل مسافرا عابرا
يجلس فجأة
إلى جوار عجوز فاتنة
كأنها هي الأخرى هاربة من الذاكرة
ويبكي في حضنها
كعاشق تأخر
عن موعد طال انتظاره؟
هي ليست رائحة فقط،
هي حياة كاملة
ذابت في كوب،
ثم تركت على شفاه الوقت
طعم خسارات صغيرة.

**
BUFFALO الجاموس باللغة الإنجليزية
مقهى بمدينة تطوان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist