أثارت بعض الأقلام بعد تدشين المستشفى الجهوي متعدد التخصصات بتطوان نقاشا حول موضوع اقتصار كتابة اسمه على اللغتين العربية والامازيغية، حيث اعتبرته اقصاء للغتين الفرنسية والانجليزية. غير أن هذا الجدل يطرح سؤالا حول اللغات التي يفترض أن تحظى بالأولوية في الفضاء العمومي.
من الناحية الدستورية، الجواب واضح. فالمغرب يعتمد لغتين رسميتين هما العربية والامازيغية، وهما اللغتان اللتان تمثلان الإطار اللغوي الرسمي للدولة ومؤسساتها.
لذلك فحضور هاتين اللغتين على واجهات المؤسسات العمومية ليس أمرا استثنائيا، بل هو تطبيق طبيعي للمقتضيات الدستورية.
اما إذا انتقلنا إلى اللغات الأجنبية، فإن النقاش يصبح مختلفا. ففي مدينة تطوان، يصعب تجاهل المكانة التاريخية والثقافية للغة الإسبانية، سواء بحكم الإرث التاريخي للمنطقة او بفعل عقود طويلة من التفاعل الحضاري والثقافي والإنساني بين ضفتي المتوسط. لذلك يبدو غريبا أحيانا أن تقدم الفرنسية باعتبارها الخيار الأجنبي البديهي والوحيد، بينما يتم تجاهل الإسبانية رغم حضورها العميق في الذاكرة المحلية وفي الحياة اليومية للسكان.
لكن المفارقة تكمن في ان كل حديث عن أهمية اللغة الإسبانية يقابل باتهامات جاهزة من قبيل “تمجيد لغة المستعمر”، مما يطرح أسئلة مشروعة وهي: إذا كانت الإسبانية ترفض لهذا السبب، فما الذي يمنح الفرنسية وضعا مختلفا؟ وكيف تحولت إلى مرجع شبه حصري في الإدارات واللافتات والمشاريع الخاصة؟ رغم أن علاقتها التاريخية بالمدينة لا تقارن إطلاقا بعلاقة الإسبانية بها.
في الواقع، لا يتعلق الأمر بالدفاع عن لغة أجنبية ضد أخرى، بقدر ما يتعلق بالدفاع عن منطق الإنسجام والعدالة الثقافية. فإذا كان المطلوب إحترام اللغات الوطنية، فالأولوية ينبغي أن تكون للعربية والامازيغية دون نقاش. أما إذا تقرر إضافة لغة أجنبية، فمن الطبيعي أن يؤخذ بعين الاعتبار السياق التاريخي والثقافي المحلي، لا أن يتم التعامل مع الفرنسية بصفتها خيارا مفروضا لا يقبل النقاش.
إن النقاش الحقيقي ليس بين العربية والامازيغية من جهة، وبين الإسبانية من جهة اخرى، بل بين إحترام التعدد اللغوي الفعلي للمغرب ومناطقه المختلفة، وبين استمرار التعامل مع الفرنسية باعتبارها لغة امتياز فوق النقاش. لذلك قد يكون مفيدا قبل الإعتراض على حضور اللغتين الرسميتين، أن نعيد طرح سؤال جوهري: لماذا يعتبر البعض الفرنسية أمرا طبيعيا، بينما يستغرب أي نقاش حول البدائل الممكنة والمتسقة مع السياق التاريخي والذاكرة المحلية؟

