“ليست الطرق ما نسلكه، بل ما تتركه فينا”
تأخذنا خطانا بهدوء، نحو مبنى هادئ، يشبه الحلم، نتأمله فنغرق في بحر الألوان، نسافر في الزمن نحو الماضي الجميل، هنا على أطراف الإنسانتشي، نقف بإجلال أمام هذا الصرح المعماري، الفني والحضاري، إنه المعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان.

من هنا مر “ماريانو بيرتوتشي”، وترك بصمته، حيث أسس أول مدرسة للفنون الجميلة في المغرب سنة 1945، في هذا المكان رسمت تطوان نفسها ورسمت العالم.
بعد ذلك، وفي27 نوفمبر من سنة 1946 صدر الظهير الخليفي المؤسس للمعهد بصفة رسمية.

كانت الدراسة في المعهد مقتصرة كمرحلة تجريبية على الطلبة الإسبان، قبل ان تنفتح على الطلبة المغاربة بإلحاح من المؤسس الغرناطي/التطواني بيرتوتشي، الفنان والرسام والمبدع العاشق لمدينته تطوان، وصانع ملحمة الفدان الذي التهمته الجرافات ذات صباح ثمانيني حزين.
هنا مرت أجيال وتخرجت دفعات من الفنانين الذين تركوا بصماتهم وأسسوا تيارا تشكيليا حداثيا يطرق باب المعاصرة،من هنا تخرجت اول فنانة تشكيلية سنة 1957، لترسخ أسبقية تطوان في الفن وفي ريادة العنصر النسوي.
على يد ماريانو بيرتوتشي تعلم جيل الفنانين الأوائل أصول الرسم الأكاديمي، الكلاسيكي والحداثي.

بعد الإستقلال، تحول هذا المكان الجميل بتاريخه ومكانته وريادته إلى مدرسة وطنية للفنون الجميلة، هذه المدرسة التي يحسب لها أن كل من تولى إدارتها كانوا من خريجيها، كما أن خريجيها هم من تولوا إدارة وتسيير مدرسة الدار البيضاء بعد الاستقلال.
نتأمل هذه القطعة من تاريخ وذاكرة تطوان، نتأمل هذا المبنى الذي ضم أيضا المعهد الموسيقي لعقود قبل ان يتم نقله مؤخرا إلى بناية أخرى وسط المدينة. هنا، في هذا المبنى تجاورت الألوان والأنغام لتمنحنا ذلك التفرد الفني التطواني الذي قلما تجده في مدينة أخرى.

هنا مرت أجيال تعلمت الفن وتشربت الحياة ومارست الحلم، هنا أيضا في فترة دراستنا الجامعية، كنا نلتقي في الحديقة المشتركة بين المعهد ودار الثقافة، ندرس ونعد للامتحانات، هنا تشكلت ذكرياتنا وتفتح وعينا متكئين على تاريخ مجيد، وحالمين بعالم أفضل، وبمستقبل أجمل لمدينتنا.
ترجع بنا خطانا إلى زمننا الحاضر، لا لنشعر بالحزن، بل لنشعر بالفخر هذه المرة، فخر بصمود هذه القلعة المعمارية، الحضارية والفنية رغم تعاقب الازمان.
نغادر المكان وكأن طيف ماريانو بيرتوتشي يرافقنا، ويقول لنا، هنا صنعت تطوان لوحتها، هنا تعلمت تطوان كيف ترسم نفسها وترسم العالم.
“بعض الأماكن لا تصنع المباني ولا الشوارع، بل تصنع العيون التي ترى بها المدينة نفسها”