“جبروت” يطرق الأبواب الرقمية.. بين اختراق الأسرار وخطر صناعة الأوهام

إدريس العمراني

منذ أن بدأت مجموعة “جبروت” في نشر وتسريب ما تقول إنها وثائق ومعطيات مستخرجة من أنظمة معلوماتية تابعة لمؤسسات عمومية، والمتتبع المغربي يعيش على وقع أسئلة حارقة، تتناسل كما تتناسل الشكوك، وتكبر كلما اتسعت دائرة التسريبات وتعددت الجهات المستهدفة والتي نذكر من بينها:(الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية (ANCFCC)، الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS) ووزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات…).
فمن يكون هؤلاء الذين عبروا الجدران الإلكترونية ووصلوا إلى خزائن البيانات؟ هل هم أبناء الدار أم غرباء عن الديار؟ هل جاءت الوثائق من داخل المكاتب أم من وراء الشاشات؟ وهل يتعلق الأمر باختراق تقني محكم، أم بتسرب بشري أرخى للحقيقة ستارا وللسرية عقالا؟
أسئلة تتردد في المجالس كما تتردد في الفضاء الأزرق، خصوصا بعدما بدا أن جزءا مهما من الوثائق المسربة يحمل من مؤشرات الصحة ما جعل كثيرين يتعاملون معها باعتبارها حقائق لا يرقى إليها الشك ولا يطالها التكذيب.
ومع كل وثيقة جديدة، يعود الحديث عن الأمن السيبراني، وعن الملايين التي صرفت لحماية المعطيات وتأمين المنصات وتحصين الخوادم. ويتساءل المواطن: أين هي الأسوار الرقمية إذا كانت الأبواب تفتح؟ وأين هي منظومات الحماية إذا كانت البيانات تكشف؟ وأين هي الحصون الإلكترونية إذا كانت الأسرار تنشر على مرأى ومسمع من الجميع؟


غير أن الإنصاف يقتضي التذكير بأن الاختراقات السيبرانية ليست حكرا على دولة دون أخرى، ولا على إدارة دون غيرها. فقد طالت في السنوات الأخيرة مؤسسات عملاقة في دول كبرى تملك من التكنولوجيا ما تملك، ومن الخبرات ما تملك، ومن الإمكانيات ما يجعلها في مقدمة الركب الرقمي. فالعالم الرقمي، مهما اشتدت حراسته، يبقى معرضا للثغرات والهجمات والمفاجآت.
لكن الخطر الأكبر قد لا يكون في الوثائق التي خرجت إلى العلن، بل في تلك التي قد تخرج مستقبلا. فالمجموعة التي تنجح في نشر وثائق صحيحة تكسب ثقة المتابعين، والثقة في زمن الشبكات الاجتماعية رأس مال لا يقدر بثمن. وحين تبنى الثقة على الحقيقة، يصبح من السهل تمرير نصف الحقيقة، ثم يصبح تمرير الوهم أقرب منالا وأيسر تداولا.
وهنا تكمن المعضلة وتستقر الخطورة؛ فـ”جبروت” قد تكون نشرت وثائق صحيحة فأقنعت المتابع، وأثبتت صدقية المحتوى، ورسخت صورة المصدر الموثوق. لكن ماذا لو نشرت غدا وثائق مزورة أو معطيات مجتزأة أو أرقاما أخرجت من سياقها؟ هل سيتوقف المتلقي عند التمحيص والتدقيق؟ أم أن رصيد الثقة المتراكم سيحول الشك إلى يقين، والتساؤل إلى تصديق؟
إنها معركة جديدة لا تدور فقط حول حماية الخوادم وتأمين الشبكات، بل حول حماية الوعي وصيانة الحقيقة. فالحروب الحديثة لم تعد تستهدف المؤسسات فحسب، بل تستهدف العقول أيضا، ولم تعد تكتفي بسرقة البيانات، بل تسعى إلى توجيه القناعات وصناعة الانطباعات.
لذلك، فإن التحدي اليوم ليس فقط في سد الثغرات التقنية، بل في سد ثغرات التلقي أيضا. وليس فقط في تشييد جدران إلكترونية عالية، بل في بناء وعي مجتمعي قادر على التمييز بين الخبر والخديعة، وبين الحقيقة والدعاية، وبين الوثيقة الأصلية والوثيقة المصنوعة.
ففي زمن الرقمنة، قد يكون اختراق النظام خطرا كبيرا، لكن الأخطر منه أن يتم اختراق الثقة ذاتها، وأن تتحول الحقيقة إلى رهينة بين أيدي من يجيدون لعبة التسريب، ويعرفون كيف يصنعون من المعلومة جسرا إلى التأثير، ومن الوثيقة سلما إلى التضليل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist