كأس العالم بين بريق الملاعب وظلال الأسئلة الكبرى

عبد السلام بن احمد

كل أربع سنوات، يتوقف العالم أمام كرة تتدحرج فوق العشب الأخضر، وتتحول كأس العالم إلى أكبر عرض رياضي على وجه الأرض. لكن خلف الأضواء الساطعة وحفلات الافتتاح وصور الملاعب المبهرة، تبرز أسئلة مزعجة لا تجد دائما طريقها إلى العناوين الرئيسية: كم تكلف هذه البطولة؟ ومن يدفع الثمن الحقيقي؟ وما الذي يبقى بعد انطفاء الأضواء؟
في قطر سنة 2022، أبهر المنظمون العالم بملاعب حديثة وشبكات نقل متطورة وتنظيم محكم. غير أن البطولة لم تسلم من الجدل المرتبط بكلفة المشاريع العملاقة وحجم الإنفاق الهائل الذي صاحب التحضيرات. فبعد نهاية المنافسات، عاد السؤال القديم: هل تحتاج دولة صغيرة إلى هذا العدد من المنشآت الضخمة؟ وهل ستظل هذه الملاعب نابضة بالحياة أم ستتحول إلى هياكل عملاقة تبحث عن جمهور؟


وفي أمريكا وكندا والمكسيك سنة 2026، تبدو الصورة مختلفة ظاهريا لكنها تحمل تناقضاتها الخاصة. فالدول الثلاث تتوفر مسبقا على بنية رياضية هائلة، غير أن البطولة ستقام على مسافات شاسعة تمتد آلاف الكيلومترات. وبين رحلة وأخرى، سيجد المشجع نفسه أمام فاتورة سفر وإقامة قد تجعل حضور المباريات امتيازا للأثرياء أكثر منه احتفالا شعبيا مفتوحا للجميع. كما أن قرار رفع عدد المنتخبات إلى 48 فريقا يثير مخاوف من تراجع المستوى التنافسي لبعض المباريات وتحول البطولة إلى منتج تجاري أكبر من كونها منافسة رياضية خالصة.
أما مونديال 2030، الذي سيجمع المغرب وإسبانيا والبرتغال، فيحمل بدوره تحديات معقدة. صحيح أن الحدث يمثل فرصة تاريخية للمغرب وإفريقيا، لكنه يطرح أسئلة حول كلفة المشاريع الجديدة وأولويات الإنفاق العمومي. فالمواطن الذي ينتظر مستشفى أو مدرسة أو طريقا في منطقته قد يتساءل عن حجم الأموال الموجهة للملاعب والمنشآت المرتبطة بالمونديال.


وفي المقابل، تواجه إسبانيا والبرتغال تحديات أخرى مرتبطة بارتفاع أسعار الإقامة والسياحة والضغط الذي قد تمارسه البطولة على المدن الكبرى. كما أن توزيع المباريات بين عدة دول وقارات يطرح سؤالا حول الأثر البيئي لرحلات الطيران والتنقلات المكثفة التي تتعارض مع الخطاب العالمي المتزايد حول التنمية المستدامة وتقليص الانبعاثات الكربونية.
المفارقة الكبرى أن كرة القدم التي ولدت لعبة شعبية بسيطة أصبحت اليوم صناعة عالمية بمليارات الدولارات. الفيفا تحقق أرباحا قياسية، والشركات الراعية تملأ خزائنها، والحقوق التلفزية تسجل أرقاما فلكية، بينما يجد المشجع العادي نفسه مضطرا لدفع أسعار متزايدة مقابل التذاكر والإقامة والتنقل.

لقد نجحت قطر في تنظيم بطولة استثنائية، وستنجح أمريكا الشمالية غالبا في تنظيم أكبر نسخة في التاريخ، كما يملك المغرب وإسبانيا والبرتغال كل المقومات لإنجاح نسخة 2030. لكن النجاح التنظيمي لا ينبغي أن يحجب النقاش الحقيقي: هل ما زالت كأس العالم احتفالا عالميا بكرة القدم، أم أنها تحولت تدريجيا إلى مشروع اقتصادي عملاق تقاس قيمته بالأرباح والاستثمارات أكثر مما تقاس بمتعة اللعبة نفسها؟
بين الدوحة ونيويورك ومدريد والدار البيضاء، يبقى السؤال معلقاً فوق المدرجات: هل تخدم كرة القدم كأس العالم، أم أن كأس العالم أصبح يخدم مصالح تتجاوز كرة القدم بكثير؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist