مقدمة
في ظل الحديث العالمي المتزايد عن الانتقال الطاقي والاعتماد على الطاقات المتجددة، تشير تقارير حديثة إلى أن النفط سيظل يشكل حوالي ثلث الطاقة العالمية إلى غاية سنة 2050. وفي هذا السياق، يستهلك المغرب اليوم عشرات الملايين من الأطنان من المحروقات، ما يفرض ضرورة التفكير في كيفية تأمين هذه الحاجيات على المدى المتوسط والبعيد. غير أن الوضع الحالي يتسم بما يمكن تسميته بـ”الهشاشة الطاقية”، حيث أصبح المغرب يعتمد بشكل شبه كلي على السوق الدولية، مما يجعله عرضة لتقلبات الأسعار وعدم وضوح الرؤية المستقبلية في هذا المجال.
___الحلقة الأولى___
السياق التاريخي لتطور الطاقة في المغرب وتأسيس شركة سامير وبداية نشاطها
قبل بدء قصة لاسامير، لابد من مراجعة تاريخية للطاقة في المغرب. تعود بداية استغلال النفط في المغرب إلى سنة 1919، حين تم اكتشاف أول بئر بترولي في المنطقة العربية بمنطقة سلفات وعين حمراء قرب مدينة سيدي قاسم. وفي سنة 1919، تم إنشاء أول مصفاة لتكرير البترول تحت اسم الشركة الشريفية للبترول . ومن الجدير بالذكر أنه حتى قبل الحرب العالمية الثانية، تم تسجيل بعض الاكتشافات ما بين سنتي 1929 و1945. وقد شملت هذه الاكتشافات ثلاث مناطق هي: عين حمرة، تسلفات، وبو دراع، حيث بلغ مجموع الأمتار المحفورة خلال الفترة الممتدة من 1937 إلى 1945 حوالي 109,359 مترًا. ومن أهم ما يجب الإشارة إليه هو أن استغلال منطقة تسلفات أدى سنة 1934 إلى حدوث انفجار اندفاع نفطي كبير، مما جعل البعض يعتقد مؤقتًا أنه تم اكتشاف حقل نفطي مهم. غير أن هذا الاندفاع اشتعلت فيه النيران خلال الليل نتيجة ملامسته لمصابيح برج الحفر، حيث كان النفط يتدفق إلى ارتفاع يفوق علو البرج الذي يبلغ سبعة وثلاثين مترًا. ولم يتم السيطرة على الحريق إلا بعد مرور ثلاثة أسابيع.
استمر استغلال تلك الآبار قرابة الـ 31 سنة، من سنة 1919 إلى سنة 1951، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ الأمن الطاقي للمغرب. بدأ المغرب في استيراد النفط الخام إلى مدينة المحمدية، وينقل عبر أنابيب بطول 187 كم إلى مصفاة سيدي قاسم. بعدها بعدة سنوات، يتوقف الإنتاج نهائياً بمصفاة سيدي قاسم، خصوصاً بعد مصادقة المغرب على العمل بالبنزين الممتاز من قيمة خمسين، وهو البنزين الذي لم تكن المحطة قادرة على إنتاجه نظراً لعدم كفاءة معداتها وأيضاً لعدم تطوير طرق الإنتاج.
. لكن هذه المصفاة توقفت لاحقاً بسبب عدم قدرتها على مواكبة التطور التقني، خاصة بعد اعتماد أنواع جديدة من الوقود لم تكن قادرة على إنتاجها. بعد الاستقلال، برزت الحاجة إلى تعزيز السيادة الطاقية للمغرب. وفي هذا الإطار، تم اقتراح إنشاء مصفاة وطنية سنة 1958 من طرف عبد الرحيم بوعبيد، بهدف تكرير النفط محلياً بدل استيراد المواد البترولية المكررة. وفي يناير 1959، تم تدشين مصفاة “سامير” بمدينة المحمدية من طرف الملك محمد الخامس، بشراكة مع شركة “إيني” الإيطالية، لتبدأ الإنتاج الفعلي سنة 1961 بطاقة أولية بلغت حوالي 1.26 مليون طن سنوياً. مكنت هذه المصفاة المغرب من تحقيق نوع من الاستقلالية الطاقية، حيث كانت تقوم بتحويل النفط الخام إلى منتجات قابلة للاستهلاك مثل البنزين والغازوال والغاز، مما ساهم في التحكم في الأسعار وتقليل تأثير تقلبات السوق الدولية.

قضية مصفاة سامير كتعتبر من أهم القضايا الاقتصادية اللي عرفها المغرب فهاد السنوات الأخيرة، حيث مرتبطة بشكل مباشر بأسعار المحروقات وبالسيادة الطاقية ديال البلاد. تأسسات شركة ساميرتحديداً سنة 1958، حين اقترح عبد الرحيم بوعبيد، الذي كان وزير الاقتصاد والفلاحة آنذاك، مشروع إنشاء مصفاة مغربية بهدف أساسي هو التحكم في حاجيات المغرب من المنتجات الطاقية. لكن الإنتاج لم يكن كافياً، فتم اللجوء إلى استيراد النفط من الخارج، الذي كان يصل إلى مدينة المحمدية. وقام الملك محمد الخامس بتدشين مصفاة سامير قرب الميناء.
لتختم قصة مصفاة سيدي قاسم، وتبدأ قصة جديدة مع مصفاة سامير. بعد استقلال المغرب بثلاث سنوات، وبالضبط في يناير 1959، دشن الملك الراحل محمد الخامس مصفاة سامير في مدينة المحمدية باتفاق بين المغرب وشركة ايني الإيطالية والمتخصصة في النفط والبتروكيمياء. وبدات الإنتاج الفعلي فـ 1961 فمدينة المحمدية. شراكة استمرت لعدة سنوات، وبالضبط إلى غاية سنة 1973، بين الحرب العربية الإسرائيلية الثانية والحظر العربي لتصدير البترول. أزمة أدت إلى تأميم الشركة وشراء حصة شركة إيني الإيطالية. في بداياتها، . فـ السبعينات والثمانينات، لعبات سامير دور كبير فاقتصاد البلاد، خصوصاً فالفترات اللي طالع فيها ثمن البترول عالمياً. وساهمات فتموين السوق الوطنية بالمحروقات، وحققات حتى أرباح مهمة
تطور سامير ودورها في الاقتصاد الوطني
شهدت شركة سامير، التي تأسست سنة 1959 بمدينة المحمدية، تطورًا مهمًا جعلها تمثل العمود الفقري لقطاع تكرير النفط في المغرب. وقد بلغت طاقتها التكريرية حوالي 10 ملايين طن سنويًا، مما مكنها قبل سنة 2015 من تغطية ما بين 50% و65% من حاجيات السوق الوطنية من المحروقات.
ساهمت سامير بشكل مباشر في الاقتصاد الوطني، حيث وفرت أكثر من 800 وظيفة مباشرة وآلاف الوظائف غير المباشرة، كما كانت تساهم بنسبة مهمة في الناتج الداخلي الصناعي. إضافة إلى ذلك، لعبت دورًا حيويًا في تعزيز الأمن الطاقي من خلال تقليص واردات المنتجات البترولية المكررة وتحسين الميزان التجاري.
كانت طاقة الإنتاج حوالي 1.26 مليون طن سنوياً، وبدأ الإنتاج الفعلي سنة 1961. ومع مرور الوقت، تطورت الشركة بفضل الخبرة الإيطالية، ثم أصبحت تعتمد على الكفاءات المغربية. وفي السبعينات، عرف المغرب تغييرات اقتصادية مهمة، من بينها “مغربة” الشركات، حيث تم تشجيع رجال الأعمال المغاربة على شراء الشركات الأجنبية. وفي سنة 1973، أصبحت سامير مغربية بالكامل. بعد تأميمها، تم الرفع من قدراتها الإنتاجية بآياد وكفاءات مغربية، فارتفع إنتاجها من 1.25 مليون طن سنوياً إلى 2 مليون طن سنوياً، فأربعة ملايين طن، انتهاءً بثمانية ملايين طن، وهو ما غطى قرابة 75% من الاستهلاك الطاقي للمغرب سنوياً. واستمرت في التوسع، حيث ارتفعت قدرتها الإنتاجية، وتم تطوير وحدات جديدة، وأصبحت تُنتج عدة مواد مثل الغاز والبنزين والكيروسين وغيرها. وفي بداية التسعينات، كانت سامير شركة ناجحة، حيث بلغ دخلها الصافي حوالي 600 مليون درهم.
