من ميامي (الولايات المتحدة): لطيف كاسيدي
مع انطلاق منافسات كأس العالم 2026 في مختلف أنحاء أمريكا الشمالية (الولايات المتحدة، كندا والمكسيك)، يشهد أكبر محفل كروي عالمي تحولًا هادئًا لكنه عميق الدلالة. ففي هذه النسخة من البطولة القارية، لم يعد التاريخ يطرق الأبواب فقط، بل بات حاضرا على أرضية الميدان، وصفارة الحكم في يده
هكذا، عندما ستدخل الحكمة الأمريكية توري بينسو إلى أرضية ملعب “ميتلايف” في نيوجيرسي يوم الخميس لإدارة مباراة المجموعة الخامسة بين الإكوادور وألمانيا، فإنها لا تحمل مجرد أداة للتحكيم، بل تحمل إرثا تاريخيا طويلا اتسم بعدم التوازن. خلال اللقاء ستكون مدعومة بمواطناتها بروك مايو وكاثرين نيسبيت، والنيوزيلندي كامبل-كيرك كاوانا في مهام الحكام المساعدين، لتضطلع بينسو بمسؤولية تجمع بين المكانة الرفيعة والتدقيق الصارم

وقد أدارت بينسو من قبل مباراة في المجموعة الأولى بين جمهورية التشيك وجنوب أفريقيا، بمساعدة الطاقم النسوي ذاته
وتجسد هذه المشاركة تحولا طال انتظاره في عالم كرة القدم، يتمثل في الإقرار بدور المرأة كسلطة تحكيمية في كرة القدم الرجالية، لا بوصفها استثناء، بل باعتبارها شريكا متكافئا
ولم يبدأ هذا التحول إلا في وقت قريب نسبيًا؛ إذ لم تعرف بطولات كأس العالم للرجال حضور الحكمات إلا في نسخة قطر 2022، وهو تأخر لافت إذا ما قورن بحضور المرأة في مجالات أخرى في الرياضة، سواء على مستوى المنافسة أو التحكيم
لكن الآن، بعد أربع سنوات، لم يعد وجود النساء في نسخة 2026 أمرًا غير مسبوق، لكنه لا يزال دون مستوى التمثيل المنشود
ومن بين هؤلاء النساء، تبرز أسماء مثل توري بينسو، والمكسيكية كاتيا غارسيا، والحكمات المساعدات الأمريكيات بروك مايو وكاثرين نيسبيت، والمكسيكية ساندرا راميريز، فضلًا عن النيكاراغوية تاتيانا غوزمان التي تضطلع بدور حكم الفيديو المساعد

للإشارة، من بين 52 حكم ساحة، هناك حكمتين فقط، ومن بين 88 حكمًا مساعدًا هناك أربع حكمات، بينما تضم قائمة حكام تقنية الفيديو (فار) البالغ عددهم 30 حكما، امرأة واحدة فقط
ويعكس هذا الحضور تقدمًا ملموسًا، لكنه في الوقت ذاته يكشف بطء وتيرة هذا التقدم
ذلك أن الوصول إلى حالة الاعتياد لا يتحقق بالاحتفاء وحده، بل يتطلب الخضوع لتدقيق صارم لا يفسح مجالًا للمجاملة أو التعاطف
فالتحكيم يعد من أكثر المهام خضوعا للمساءلة في كرة القدم، إذ يستلزم مزيجا من الكفاءة الفنية، واللياقة البدنية، والقدرة على فرض السلطة في ظروف تتسم بضغط عال
وقد ارتبطت هذه السلطة تاريخيا، في التصورات الثقافية، بالرجال. غير أن حضور حكمات مثل غارسيا وبينسو يعيد تشكيل هذه التصورات، على نحو يتجاوز ما يمكن أن تحققه البيانات الرسمية أو مبادرات التنوع
ومع ذلك، فإن هذا التقدم لا يخلو من التحديات. فالحكمات مطالبات بالالتزام بذات المعايير الصارمة المفروضة على نظرائهن من الرجال، غير أنهن يخضعن أيضا لنمط مختلف من الحضور الإعلامي
وتشير دراسات في مجال التغطية الرياضية إلى أن التركيز على النوع الاجتماعي للحكمات يظل حاضرا في الخطاب الإعلامي، لا سيما في المباريات الكبرى، بما يخلق مفارقة قوامها أن زيادة الظهور قد تعزز، في الوقت ذاته، الإحساس بالاستثنائية
أما بالنسبة للجهات المنظمة، فيكمن التحدي في ترسيخ قناعة عامة بأن هذه التعيينات تستند إلى الجدارة لا إلى الاعتبارات الرمزية
وقد دأب الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) على التأكيد بأن جميع الحكام، بغض النظر عن جنسهم، يخضعون لمعايير موحدة وصارمة تشمل اللياقة البدنية، والمعرفة الفنية، ودقة اتخاذ القرار
ومن خلال إسناد مباريات ذات أهمية كبرى إلى حكمات، يبعث الاتحاد برسالة واضحة مفادها الثقة في كفاءتهن، مع الإقرار بأهمية التمثيل
وفي المقابل، ينتظر من اللاعبين التعاطي مع هذه المعطيات بروح احترافية، لاسيما وأن كرة القدم الحديثة باتت معتادة على تنوع أطقم التحكيم في مختلف المسابقات
ومع ذلك، فإن طبيعة مباريات كأس العالم، بما تحمله من ضغط جماهيري وإعلامي، تضاعف من حدة التدقيق، وتضع الحكمات، خاصة من يخضن هذه التجربة للمرة الأولى، تحت مجهر غير اعتيادي وتحت دائرة ضوء مكثفة
وتظل عناصر الاحترام، والثبات، والقدرة على فرض الهيبة، مرتكزات أساسية لأي حكم داخل المستطيل الأخضر
أما الرأي العام فيشكل العامل الأكثر تقلبا. فبينما يرحب قطاع واسع من الجماهير بتعزيز التنوع في التحكيم، لا يزال آخرون ينظرون إليه بعين الشك أو باعتباره أمرا مستجدا عاطفي يعمل على مرتكز الكوطا
ويترتب على ذلك أن كل قرار تتخذه حكمة قد يحمل دلالات تتجاوز إطاره الفني، وهو عبء لا يلقى بالقدر ذاته على عاتق الحكام الرجال
ومع ذلك، يشير التاريخ إلى أن الاعتياد يتولد من التكرار؛ فالبدايات غالبًا ما تكون مثار جدل، ثم تتراجع حدة النقاش تدريجيًا، إلى أن يصبح الأمر مألوفًا. فالظهور الأول دائمًا ما يكون أكثر قسوة، والثاني أقل، والثالث يصبح شبه عادي. وكرة القدم اليوم تقع في مكان ما بين هذه المراحل
وفي هذا السياق، لم تعد تعيينات غارسيا وبينسو وزميلاتها صادمة، لكنها لا تزال محل اهتمام، وهو فارق ذو دلالة
إن المعيار الحقيقي للتقدم لن يقاس بعدد العناوين الصحفية التي تتناول مشاركة الحكمات في كأس العالم، بل بمدى الحاجة إلى إبراز هذه المشاركة في المستقبل. وعندما يصبح وجودهن جزءا طبيعيا من نسيج اللعبة، لا حدثا استثنائيا، تكون كرة القدم قد اقتربت من تحقيق التوازن بين عالميتها المعلنة وواقعها الفعلي
وإلى أن يتحقق ذلك، تظل كل مباراة تديرها هذه الكفاءات النسائية مهمة مهنيا، وخطوة هادئة في مسار تحول أعمق
ومن المنتظر أن تدير الحكمة المكسيكية كاتيا غارسيا مباراة المجموعة السادسة بين تونس وهولندا يوم 26 يونيو في مدينة كانساس سيتي، بمساعدة مواطنتها ساندرا راميريز والإسباني خوسيه إنريكي نارانخو، والباراغواياني خوان غابرييل بينيتيز