من الحكاية إلى الهوية: قراءة في “حكاية كوفية”

التحرير

تُعد الكاتبة الأردنية الفلسطينية سجى ناصر الدين من الأصوات الأدبية الشابة التي تجمع بين التكوين العلمي و الاهتمام الإنساني و الثقافي. فهي حاصلة على درجة البكالوريوس في الهندسة الطبية الحيوية من جامعة اليرموك، و تقيم حالياً في فانكوفر بكندا، حيث تواصل شغفها بالقراءة و الكتابة انطلاقاً من إيمانها بدور الأدب في حفظ الذاكرة و تعزيز الهوية.

و قد صدر لها سابقاً كتاب “أنصاف رجل”، قبل أن تتجه إلى أدب الطفل من خلال كتابها “حكاية كوفية”، الذي يعكس وعياً بأهمية مخاطبة الأجيال الجديدة بلغة قريبة من وجدانها.

ليست كل الكتب الموجهة للأطفال قادرة على أن تحمل رسالة عميقة دون أن تفقد بساطتها، غير أن كتاب “حكاية كوفية” ينجح في الاقتراب من هذه المعادلة، مقدماً نصاً ينطلق من عالم الطفل ليحمل في داخله أسئلة الهوية و الانتماء و الذاكرة.

ما يلفت الانتباه في هذا العمل أن فلسطين لا تحضر فيه باعتبارها قضية تُشرح أو خطاباً يُلقَّن، و إنما تظهر بوصفها حكاية دافئة يمكن للطفل أن يقترب منها ويعيش تفاصيلها بعفوية.

فالكاتبة تدرك أن الطفل يتفاعل مع الصورة و الحكاية أكثر مما يتفاعل مع المفاهيم المجردة، لذلك اختارت أن تجعل الوطن قريباً من وجدانه قبل أن يكون معلومة في ذاكرته.

و من خلال الحوار معها، بدا واضحاً أن هذا العمل ولد من تجربة إنسانية صادقة. فقد نشأت الكاتبة في بيت محب للكتاب و الشعر، و كان لمكتبة والدها الراحل أثر بالغ في تشكيل وعيها الثقافي و الأدبي.

و بين قراءاتها المبكرة لأعمال جبران خليل جبران و نزار قباني و كتابات والدها، تشكلت علاقتها الأولى بالكلمة و بقدرتها على حفظ الذكريات و مواجهة الغياب.

و تكتسب “حكاية كوفية” خصوصيتها من كونها تنبع من هاجس أم تسعى إلى إبقاء وطنها حاضراً في وجدان طفلها الذي يكبر بعيداً عن أرضه الأولى.

لذلك جاءت الحكاية محمّلة بمشاعر صادقة، تحاول أن تقدم مفاهيم الوطن و الانتماء و الثقافة الفلسطينية بطريقة بسيطة و قريبة من عالم الأطفال.

كما يطرح الكتاب فكرة مهمة تتعلق بدور الأدب في مقاومة النسيان. فالحكاية هنا لا تكتفي بالتسلية، بل تتحول إلى وسيلة لحفظ الذاكرة و نقلها من جيل إلى آخر. و هي رؤية تنسجم مع إيمان الكاتبة بأن الكتابة تبقى إحدى أكثر الوسائل قدرة على صون التجارب الإنسانية و الثقافية من الاندثار.

في النهاية، يقدّم “حكاية كوفية” نموذجاً لكتاب يراهن على قوة السرد في ترسيخ القيم والهوية، و يؤكد أن الحكايات البسيطة قادرة على أن تترك أثراً عميقاً في نفوس الصغار.

و من خلال هذا الإصدار، تبرز سجى ناصر الدين ككاتبة تؤمن بأن الأدب ليس مجرد فعل إبداعي، بل مسؤولية ثقافية و إنسانية تسهم في بناء الوعي و حفظ الذاكرة للأجيال القادمة.

بقلم: سلمى القندوسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist