على إيقاع السجال لا الإنجاز، وعلى وقع الاتهام لا الالتزام، تعيش تطوان هذه الأيام فصلا جديدا من فصول التراشق السياسي بين إسحاق شارية، الأمين العام للحزب المغربي الحر، ومنصف الطوب، البرلماني عن حزب الاستقلال باقليم تطوان. سجال اشتدت نبرته، وارتفع صوته، حتى خيل للمتابع أن المدينة لا تعاني من أعطاب التنمية بقدر ما تعاني من فائض في الخصومات والمزايدات.

فهذا يهاجم ويحمل المسؤولية، وذاك يرد ويفند الرواية، وبين الهجوم والدفاع تضيع الأسئلة الحقيقية وتتوارى القضايا الأساسية. فلا حديث يوازي حجم معاناة المواطنين، ولا نقاش يرقى إلى مستوى انتظارات الساكنة، وكأن هموم المدينة يمكن أن تحل بالخرجات على مواقع التواصل الاجتماعي والردود عليها، لا بالمبادرات والمجهودات.

فالمواطن اليوم لا ينتظر من ينتصر في معركة كلامية وكأننا في عصر الخوارج والمعتزلة، بل ينتظر من يدافع عن قدرته الشرائية التي أنهكها الغلاء، ومن يترافع من أجل مراجعة كلفة النقل الحضري بعد ارتفاع ثمن التذاكر مع مجيء الشركة الجديدة، ومن يرفع صوته في وجه فواتير الماء والكهرباء التي أثقلت كاهل الأسر وأرهقت جيوب ذوي الدخل المحدود.
والمواطن لا يسأل من ربح الجولة بين شارية والطوب، بل يسأل من سيجد حلا للازدحام الخانق الذي تخنق به المدينة أنفاسها كل صيف، ومن سيضع حدا لفوضى السير والجولان، ومن سيبتكر حلولا عملية لأزمة مواقف السيارات التي تحولت إلى معاناة يومية للسكان والزوار على حد سواء،
والمواطن لا يهمه من كتب التدوينة الأقوى أو الرد الأعنف، بل يهمه من سيصلح الحفر التي تنخر الشوارع والأزقة، ومن سيعيد الإنارة إلى الأحياء التي تغرق في الظلام، ومن سيكمل تجهيز الأحياء الناقصة التجهيز التي ما زالت ٠تنتظر نصيبها من التنمية رغم تعاقب المجالس والوعود.
لقد سئمت تطوان من السياسي الذي يتذكرها عند اقتراب الموعد الانتخابي وينساها عند انقضاء الموسم الانتخابي، ومن المسؤول الذي يكثر حضوره في الصور ويقل حضوره في الميدان، ومن الخطابات التي ترتفع حرارتها كلما اقتربت صناديق الاقتراع ثم تنخفض بمجرد إعلان النتائج.
إن المدينة التي أنجبت رجالات دولة، سياسيين، كتاب وصحافيين وصنعت صفحات مشرقة من التاريخ تستحق من يخدمها في كل الفصول لا في موسم الوصول، ومن يدافع عنها في كل المحطات لا عند احتدام الحسابات. فالمقاعد تربح بالأصوات، أما المكانة فتربح بالإنجازات، والثقة لا تنال بالشعارات بل تبنى بالتضحيات.
وبين شارية والطوب، وبين الاتهام والرد، يبقى السؤال معلقا في أذهان التطوانيين: من يحمل هموم المدينة عندما تنطفئ أضواء السجال؟ ومن ينشغل بقضايا الناس عندما تهدأ عواصف التراشق السياسي؟
ذلك أن تطوان لا تحتاج إلى فرسان للخصومة بقدر ما تحتاج إلى رجال للخدمة، ولا إلى أبطال للمنصات بقدر ما تحتاج إلى صناع للمنجزات. فالتاريخ لا يخلد من رفعوا أصواتهم، بل من رفعوا شأن مدينتهم، ولا يذكر من أكثروا الجدل، بل من أكثروا العمل وأحسنوا الأثر.