ليست كل الشخصيات التي تترك أثرا في المجتمع تشغل مناصب سياسية أو تتصدر المشهد الإعلامي، فبعضها يختار أن يصنع التغيير بصمت، من قلب المعاناة الإنسانية. هكذا كانت الراحلة عائشة الشنا، إحدى أبرز الوجوه النسائية في المغرب، التي كرست حياتها للدفاع عن النساء في وضعية هشاشة، وجعلت من العمل الاجتماعي مشروعًا إنسانيًا امتد لعقود.
ولدت عائشة الشنا بمدينة الدار البيضاء سنة 1941، وعاشت طفولة صعبة بعد فقدان والدها وهي في سن الثالثة. ورغم التحديات التي واجهتها في مسارها الدراسي، استطاعت أن تشق طريقها بثبات، فالتحقت بمدرسة التمريض قبل أن تعمل بوزارة الصحة، حيث احتكت يوميا بواقع النساء الأكثر هشاشة، وهو ما شكل نقطة التحول في مسيرتها الإنسانية.
منذ أواخر خمسينيات القرن الماضي انخرطت في العمل التطوعي، غير أن المنعطف الأبرز جاء سنة 1985 حين أسست جمعية التضامن النسوي بالدار البيضاء، لتصبح فضاء لاستقبال النساء في وضعية صعبة، وتقديم الدعم القانوني والنفسي والاجتماعي لهن، إلى جانب تمكينهن من التكوين المهني في مجالات متعددة، بما يساعدهن على بناء حياة مستقلة وكريمة.
لم تكن الشنا تنظر إلى النساء المتخلى عنهن باعتبارهن مشكلة اجتماعية، بل كانت ترى فيهن ضحايا لظروف معقدة تستوجب الاحتضان لا الإدانة. كما دافعت عن حق الأطفال في الهوية والكرامة، وسعت إلى تسهيل تسجيلهم في الحالة المدنية، والعمل على إعادة إدماجهم داخل أسرهم ومحيطهم الاجتماعي، مع التأكيد في الوقت نفسه على أهمية التماسك الأسري ورفضها للعلاقات خارج إطار الزواج، معتبرة أن معالجة الظواهر الاجتماعية لا تكون بالتبرير، وإنما بالوقاية والمرافقة والحماية.
ولم يقتصر عطاء عائشة الشنا على الميدان الاجتماعي، بل ساهمت أيضا في التوعية الصحية من خلال برامج إذاعية وتلفزيونية، كما وثقت جانبا من تجاربها في كتابها “البؤس: شهادات”، الذي نقل قصصا واقعية لنساء عشن أوضاعا قاسية، وأثار نقاشا واسعا حول قضايا كانت تعتبر من المحرمات داخل المجتمع.
وقد حظيت مسيرتها بتقدير وطني ودولي، فنالت العديد من الجوائز والأوسمة، من بينها جائزة حقوق الإنسان الفرنسية، ووسام من الملك محمد السادس، ووسام جوقة الشرف الفرنسي، إلى جانب جائزة أوبيس للأعمال الإنسانية سنة 2009، التي كانت أول امرأة مسلمة تنالها، وخصصت قيمتها المالية لضمان استمرارية الجمعية بعد رحيلها.
ورغم الانتقادات التي واجهتها من بعض الأوساط المحافظة بسبب اشتغالها على ملفات شائكة، فإنها ظلت متمسكة بقناعتها بأن الدفاع عن كرامة الإنسان لا يتعارض مع قيم المجتمع، وأن إنقاذ النساء والأطفال من التهميش مسؤولية جماعية قبل أن تكون عملًا جمعويًا.
برحيل عائشة الشنا في 25 شتنبر 2022، فقد المغرب إحدى أبرز رموز العمل الإنساني والاجتماعي، لكن إرثها ظل حاضرًا من خلال المؤسسة التي أسستها، ومن خلال آلاف النساء والأطفال الذين وجدوا في مبادراتها فرصة جديدة للحياة. لقد كانت الشنا أكثر من ناشطة جمعوية؛ كانت مدرسة في العطاء، وصوتا لمن لم يكن لهم صوت، ورمزامغربيا ترك بصمة ستظل حاضرة في ذاكرة العمل الإنساني.