في قلب الجدل حول المحروقات.. لماذا يظل ملف مصفاة لاسامير حاضراً؟ (2)

محمد نجيب زغلول

مقدمة
في ظل الحديث العالمي المتزايد عن الانتقال الطاقي والاعتماد على الطاقات المتجددة، تشير تقارير حديثة إلى أن النفط سيظل يشكل حوالي ثلث الطاقة العالمية إلى غاية سنة 2050. وفي هذا السياق، يستهلك المغرب اليوم عشرات الملايين من الأطنان من المحروقات، ما يفرض ضرورة التفكير في كيفية تأمين هذه الحاجيات على المدى المتوسط والبعيد. غير أن الوضع الحالي يتسم بما يمكن تسميته بـ”الهشاشة الطاقية”، حيث أصبح المغرب يعتمد بشكل شبه كلي على السوق الدولية، مما يجعله عرضة لتقلبات الأسعار وعدم وضوح الرؤية المستقبلية في هذا المجال.

___الحلقة الثانية___

 

مرحلة الخوصصة وبداية الازمة:
شكلت سنة 1996 نقطة تحول حاسمة، حيث قررت الدولة خوصصة الشركة رغم أهميتها الاستراتيجية وطرح أسهمها للتداول في البورصة، رغم أرباحها الجيدة واحتياج المغرب لها في أمنه الطاقي وفي سنة 1997، استحوذت شركة “كورال بيتروليوم” السويدية ومالكها السعودي العمودي وتشتري جل أسهم الشركة لتستحوذ على رأس مالها فيما بعد كاملاً ، مع التزام برفع قدرات التكرير والتخزين، وهي الأهداف التي لم تتحقق. لاحقاً، بدأت تظهر اختلالات في التسيير، تفاقمت بعد حريق سنة 2002 الذي ألحق أضراراً كبيرة بالمصفاة وأتى على جزء كبير من المحطة مهددا الأمن الطاقي للمغرب.مما اضطر الدولة المغربية للسماح لأول مرة للشركات الأخرى باستيراد المحروقات من الخارج، وهو ما زاد المنافسة مع شركة لاسامير.. ومن بعد، بدات تبان مشاكل فالتسيير، مع تراكم الديون وضعف المراقبة، سواء من طرف إدارة الشركة ولا من طرف الجهات المسؤولة.

تفاقم الأزمة والتوقف النهائي:
تأثرت سامير أيضاً بالأزمة المالية العالمية لسنة 2008، لتتفاقم وضعيتها المالية أكثر. وفي سنة 2015، توقفت المصفاة عن الإنتاج بشكل نهائي بسبب تراكم الديون والضرائب، التي تجاوزت أصول الشركة. وفي سنة 2016، صدر حكم بالتصفية القضائية، بهدف بيع أصول الشركة لتسديد الديون، والتي تُقدّر قيمتها بحوالي 21 مليار درهم. وتجدر الإشارة إلى أن شراء هذه الأصول يتم دون تحمل الديون قانونياً. ترك هذا المستثمر الذي كان يملك لاسامير ويُسيّرها ، ديونا تصل ضعف اصول الشركة أي ما يناهز 43 مليار درهم والتي وجب عليه هو تسديدها للجمارك ومديرية الضرائب وغيرها،. مما دفع الدولة الى مقاضاته .، إذ إن الجمارك وحدها تُطالبه بحوالي 12 مليار درهم.
لقد كان قرار الخوصصة، بتفويت الشركة لمستثمر أجنبي ليحتكرها خطأ قاتلا وخصوصاً لم يكن ينبغي أن نُسلمها لمستثمر أجنبي ليحتكرها لوحده بما انها مؤسسة استراتيجية تمس الامن الطاقي للمغرب ، اذ عاث فيها فساداً لمدة سبعة عشر عاماً، وأغرقها بما يقارب خمسة وتسعين مليار درهم من الديون. ثم جمع أمتعته وغادر، وترك للدولة ديونا، تتحمل مسؤوليتها الجهة التي اتخذت القرار السياسي بالخصخصة، إضافة إلى الجهات التي كان من المفروض أن تراقب ولم تقم بدورها.. بصراحة، الأوضاع أصبحت صعبة جداً، مع الفوضى التي يشهدها العالم فلم يعد يمر يوم دون أن نستيقظ على خبر أزمة جديدة في مكان ما، أو ارتفاع جديد في الأسعار، أو تقلبات غير متوقعة. حتى إن الأسعار أصبحت ترتفع بشكل كبيروبشكل مباغت احيانا.
أدى إغلاق سامير إلى فقدان أداة استراتيجية مهمة، حيث أصبح المغرب يعتمد بشكل شبه كلي على استيراد المحروقات المكررة، مما زاد من تأثره بتقلبات الأسعار العالمية. كما ساهم غياب المصفاة في ارتفاع الأسعار داخلياً، وفقدان وسيلة فعالة لتنظيم السوق وضمان استقرارها. وكان من الممكن الحد من هذه التأثيرات لو استمرت المصفاة في العمل.
عكس ما يحاول البعض الترويج له، حيث يدّعون أن من يشتري سامير سيتحمل ديونها، وهذا غير صحيح.هذه المغالطات يتم الترويج لها للتشويش على الملف، بطلب من لوبيات تتحكم في السوق، والتي تسعى إلى بقاء سامير متوقفة حتى تواصل التحكم في السوق واستغلال المواطنين. هذه اللوبيات هي الشركات الكبرى التي أشار إليها مجلس المنافسة، والتي تسيطر على السوق. فشركة “أفريقيا” تسيطر على حوالي 24% من السوق، وشركة “شيل Shell” على 15%، وشركة أخرى على 17%، أي أن ثلاث شركات فقط تسيطر على أكثر من 50% من السوق، وخمس شركات تتحكم في أكثر من 70%. ولا يوجد تقريباً أي سوق في العالم بهذا المستوى من التركّز المرتفع، وهو ما أكدته تقارير مجلس المنافسة.
دخل ملف سامير في مسار قضائي. وكانت سامير تُساهم في جعل أسعار المحروقات أقل، لأنها كانت تستورد النفط الخام بثمن أقل وتكرّره محلياً. لكن بعد توقفها، أصبح المغرب يعتمد على الاستيراد الكامل، مما جعله عرضة لتقلبات السوق العالمية. ويرى البعض أن حل الأزمة بيد الدولة، التي يجب أن تعتبر سامير قضية وطنية، وتعمل على إعادة تشغيلها.

تلاعب اللشركات المحتكرة  بآلية تحديد أسعار المحروقات في علاقتها مع المخزون الوطني من المواد البترولية:
من المهم توضيح آلية تحديد أسعار المحروقات في المغرب. إذ يتم تغيير الأسعار مرتين في الشهر، بناءً على متوسط تغيرات أسعار المواد النفطية في السوق الدولية. فعلى سبيل المثال، خلال الفترة السابقة، كان يتم احتساب المعدل بين 28 فبراير و13 مارس، اعتمادًا على تطور الأسعار في الأسواق العالمية، ثم يُترجم ذلك إلى زيادات أو انخفاضات على المستوى الوطني.
غير أنه، وخلال الأزمات الأخيرة التي شهدها الشرق الأوسط والخليج العربي، إضافة إلى الولايات المتحدة، عرفت الأسعار الدولية ارتفاعًا ملحوظًا. وهنا يبرز إشكال سبق أن أشار إليه مجلس المنافسة في عدة تقارير، حيث خلص إلى أن الزيادات في الأسعار يتم تطبيقها بشكل فوري، بينما يتم تأجيل الانخفاضات من طرف بعض الشركات.
وفي هذا السياق المتازم ورغم ان القانون 71 – 09 يفرض على الفاعلين من شركات وافاعلين اقتصاديين  توفير مخزون وطني للمحروقات يعادل 60 يوما.فبينما ىنجد ان مخزون فرنسا قد يصل الى 100 يوم نجد ان مخزوننا الاستراتيجي لم يتجاوز يوما 30 يوما .لان لمحطة التكرير لاسامير كانت توفر 70% من الاكتفاء الذاتي .اما حاليا فرغم ان ترخيص الدولة للفاعلين في حقل المحروقات للاستيراد من السوق الدولية  مقترن بخلق بنية تحتية للتخزين كاستثمار في الرأسمال الثابت للشركات المستوردة للمحروقات  الا ان هذه الشركات لا ربح لها في عملية التخزين. وبما ان الدولة لم تستطع ان تفرض الزامية انشاء هذه البنيات لتخزين 60 يوما من المحروقات ، نظرا لتحكم السوق من طرف قطب  تجمع شركات المحروقات  oligo-pole des socités des  hydrocarbures التاي تشكل لوبيا ضاغطا بتوافق بينهم فيما يتعلق بعدم توفير ذلك المخزون لان توفيره لا ربحية فيه بالنسبة لهذا القطب، اضافة الى غياب اليات كي تستطيع الدولة فرض توفير هذا المخزون الاستراتيجي وهذا عنوان صارخ لتضارب المصالح وزواج السلطة التنفيذية بالمال، اذ لا نتصور ان رئيس الحكومة الحالي سيفرض على عزيز اخنوش توفير مخزون لستين يوم بفرض الية قانونية تمررها اغلبية رئيس الحكومة لتفرضها على عزيز اخنوش وقطبه. وبمعنى اخر فان 11 عشر شركة والتي تشكل هذا القطب والتي تمارس الابتزاز على الدولة وتمارس ايضا لي ذراعها  بتهديد الامن الطاقي للمغرب ، ومادامت الدولة لا تستطيع سحب رخصها مادامت لم تلتزم بالقانون ولم توفر المخزون مما يسبب تغول الرأسمال من داخل الحكومة التي هي حامي الراسمال المتوحش عوض ان تكون حامية لحقوق المستهلكين ومساهمة في دمقرطة اجهزة الدولة قبل المساهمة في الانفتاح الدمقراطي للمجتمع . ورغم محاولة صندوق المنافسة معاقبة بعض الشركات بالزامها لدفع غرامات مالية التي سرعان ما تم تغيير رئيس مجلس المنافسة  وارساء غرامات مالية تصالحية رمزية لطي الملف. الا ان الحل ليس منعدما بل يتطلب حكومة قوية وشجاعة لاعادة طرح الملف بصرامة على الطاولة وتدخل الدولة لحماية الامن الطاقي للبلاد وهو شأن سيادي يستلزم انضبط كل الفاعلينفي المحروقات من اجل حلول مستدامة ومنضبطة لقانون التعاقد وبنوده.
هذا المعطى ليس مجرد انطباع، بل هو موثق في تقارير رسمية، خاصة في الدراسة التي أنجزها مجلس المنافسة سنة 2022، والتي أكدت أن الارتفاعات تُمرر مباشرة إلى المستهلك، في حين لا تنعكس الانخفاضات بنفس السرعة أو في نفس التوقيت. وتزداد خطورة هذه الممارسات عندما نعلم أن بعض الشركات، في فترات معينة، لا تتوصل بأي شحنات جديدة من الخارج، بل تواصل بيع مخزون سابق تم اقتناؤه بأسعار أقل، ومع ذلك تقوم برفع الأسعار تماشيًا مع السوق الدولية. وقد سُجلت حالات تم فيها رفع الأسعار بحوالي درهمين، رغم الاعتماد على مخزون قديم، وهو أمر مثبت في السوق.
ويعود ذلك جزئيًا إلى أن الشركات لا تتوصل جميعها بالشحنات في نفس الوقت؛ فقد تستلم بعضها الشحنات في فترات مختلفة، سواء قبل أو بعد غيرها. غير أن بعض الفاعلين يستغلون هذا التفاوت، بحيث عندما تتجه الأسعار نحو الارتفاع، “يركبون الموجة” ويطبقون الزيادات فورًا، بغض النظر عن تكلفة المخزون المتوفر لديهم.
هذه الممارسات، للأسف، تعطي انطباعًا سلبيًا لدى المستهلك المغربي، الذي يشعر بأن الأسعار لا تُحدد بشكل منصف ولا تعكس التكلفة الحقيقية. وفي المقابل، هناك اتفاق عام على أن أسعار المحروقات في المغرب مرتبطة بتقلبات السوق الدولية، وهذا أمر طبيعي. لكن هذا الارتباط يجب أن يكون متوازنًا: فإذا كانت الزيادات تُطبق فورًا وبنفس الحدة، فمن المنطقي أن يتم تمرير الانخفاضات بنفس السرعة والنسب.
غير أن ما يحدث في الواقع هو أنه عند ارتفاع الأسعار، تُبرر الشركات ذلك بضرورة مواكبة السوق الدولية، بينما عند انخفاضها، تتذرع بوجود مخزون تم شراؤه بأسعار مرتفعة، وبالتالي تؤجل خفض الأسعار إلى حين تصريفه. لكن هذا الطرح يطرح تساؤلًا مشروعًا: لماذا لا يتم، في المقابل، بيع المخزون الذي تم اقتناؤه بأسعار منخفضة عندما ترتفع الأسعار، بدل تعميم الزيادة مباشرة؟
هذه الاختلالات تعكس وجود ممارسات داخل السوق لا تعكس بدقة تكلفة الإنتاج أو الاستيراد، سواء بالنسبة للغازوال أو البنزين، وهو ما ينعكس سلبًا على ثقة المستهلك المغربي في عدالة الأسعار.
فيما يتعلق بقضية المخزونات، يطرح تساؤل أساسي: لماذا لا يتم احترام المقتضيات القانونية المرتبطة بالمخزون الوطني من المواد البترولية؟ عندما قررت الدولة سنة 2015 تحرير قطاع المحروقات، كان الهدف الأساسي هو رفع العبء عن صندوق المقاصة. غير أن هذا القرار كان مرفوقًا بمجموعة من الالتزامات، من بينها ضمان توفر مخزون وطني كافٍ من المواد البترولية. ومنذ ذلك الحين إلى اليوم، لا تزال تقارير متعددة تشير إلى وجود اختلالات واضحة في هذا المجال.
قبل التحرير، كان هاجس الدولة ماليًا بالدرجة الأولى ، تأمين المخزون الوطني. وهذا الالتزام ليس جديدًا، بل يستند إلى إطار قانوني قديم يعود إلى سبعينيات القرن الماضي (قانون 1971)، الذي يُلزم الشركات بتأمين حد أدنى من المخزون. أما بخصوص الجهة المسؤولة،   هناك قطاعات حكومية ، وفي مقدمتها وزارة الطاقة والمعادن، التي تُعد الجهة الوصية على قطاع المحروقات. وبالتالي، فمن مسؤوليتها تتبع وضعية المخزون، وضمان توفره في الحدود المطلوبة، والتي ينبغي أن تصل إلى شهرين كمخزون وطني استراتيجي.
لكن الواقع يطرح إشكالًا كبيرًا: لماذا، بعد أكثر من عقد على تحرير القطاع، لا يزال المغرب لا يتوفر على هذا المستوى من المخزون أحد التفسيرات الممكنة هو أن الفاعلين الاقتصاديين لم يلتزموا بالشكل المطلوب. فهؤلاء كانوا، في السابق، يستفيدون من دعم مخصص لتغطية تكاليف التخزين، وهو دعم منصوص عليه ضمن تركيبة الأسعار. إذ كان يُخصص مبلغ يقارب 150 درهمًا للطن لفائدة الشركات، من أجل تمكينها من تكوين هذا المخزون والوفاء بالتزاماتها القانونية  وحسب تقرير المجلس الاعلى للحسابات عام  2015 حول قطاع الطاقة  والذي اشار الى إن شركات المحروقات ملزمة للدولة بحوالي ثلاثة ملايير الدراهم ، وهذا المبلغ لم يكن يُمنح بشكل مباشر أو منفصل، بل كان مدمجًا ضمن بنية الأسعار، أي أنه كان يُحتسب ضمن التكلفة التي يتحملها المستهلك. وبالتالي، فإن الشركات كانت تتوفر على هذا المورد المالي الذي يُفترض أن يُوظف لضمان المخزون الاستراتيجي والذي لم توفره تلك الشركات رغم انها تقاضت  3ملايير درهم  إلى حين توقف نظام التسقيف وبداية تحرير اسعار المحروقات.
والحصيلة ان على الدولة استخلاص  ثلاث ملايير درهم  والتي لم تستخلصها بعد الى حدود 2026 مادام انهم عجزوا عن توفير مخزون وطني للمحروقات  وكانو يموهون بانهم شيدو les bacs   وهي أوعية معدنية للتخزين إلا أنها فارغة، كما ساهمت الوزارة في التغليط بتصريحها انها رفعة القدرة الاستيعابية وتعتبر هذه الديون الطويلة الأجال على الشركات المحروقات لفائدة صندوق المقاصة. لماذا لم تتحرك الحكومة من أجل استرجاع 3 ملايير درهم؟ او اليوم ونحن في 2026 على وزارة الانتقال  الطاقيو وزارة المالية والتي كان صندوق المقاصة تابعة لها اليوم ان تطالب باسترداد 3 ملايير درهم اضافة الى الفوائد المتحصلة على سنوات طوال هذه المبالغ الهائلة.
غير أن الإشكال المطروح اليوم هو أن هذا الالتزام لم يُحترم بالشكل الكافي، رغم استمرار احتساب هذه التكاليف ضمن الأسعار. وهذا يطرح تساؤلات جدية حول مدى احترام قواعد السوق، وحول فعالية المراقبة من طرف الجهات الوصية. في النهاية، يمكن القول إن الانتقال من نظام مُنظَّم إلى نظام محرر لم يُواكَب بضمانات كافية على مستوى المراقبة والالتزام، خاصة فيما يتعلق بالمخزون الوطني. وهو ما يجعل المقارنة بين الأرباح في ظل النظام السابق (المنظم) والنظام الحالي (المحرر) مسألة مشروعة، تستدعي إعادة تقييم شاملة لضمان التوازن بين مصلحة الفاعلين الاقتصاديين وحماية الأمن الطاقي للبلاد.

—–يتبع—–

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist