الأسود تعطل الطواحين : ملحمة مغربية على الأراضي المكسيكية

أشرف بولمقوس

لم يكن انتصار المنتخب المغربي على المنتخب الهولندي مجرد عبور رياضي إلى الدور الموالي، ولا مجرد فوز يضاف إلى سجل الإنجازات المتنامي للمنتخب المغربي، بل كان ملحمة كروية حقيقية كتبت هذه المرة على الأراضي المكسيكية، وأكدت مرة أخرى أن ما يحققه المغرب اليوم لم يعد حدثا استثنائيا عابرا، بل أصبح نتيجة لمسار واضح المعالم، عنوانه العمل، والانضباط، والإيمان بالقدرة على المنافسة مع الكبار.
ما ميّز هذا الانتصار قبل النتيجة نفسها هو تلك القتالية المذهلة التي أظهرها اللاعبون. لقد لعب أسود الأطلس بعقل بارد، لكن بقلب مشتعل. قاتلوا على كل كرة، وضغطوا، وصبروا، وتحملوا لحظات صعبة أمام منتخب يملك تقاليد كروية كبيرة. لم يكن هناك استسلام، ولا ارتباك، ولا انهيار ذهني. كان هناك شيء أعمق من التكتيك والمهارة: شخصية جماعية صلبة ترفض الهزيمة.
هذه القتالية ليست وليدة الصدفة، بل تعكس في العمق جزءا من الشخصية المغربية نفسها. فالمغربي، تاريخيا، ابن التحديات؛ يعرف كيف يصمد حين تشتد الظروف، وكيف يحول الضغط إلى قوة دفع. لذلك، حين نقول إن روح المنتخب تعكس القيم المغربية، فنحن لا نبالغ. نحن نتحدث عن الإصرار، وعن العناد الإيجابي الذي يجعل المغربي يقاتل حتى الرمق الأخير.
لكن الإنصاف يفرض الذهاب أبعد من الملعب. ما يعيشه المنتخب اليوم هو أيضا ثمرة عمل مؤسساتي استثنائي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم. فهذه النتائج ليست معجزة، بل حصيلة سنوات من الاستثمار في البنية التحتية، والتكوين، والحكامة الرياضية، والتخطيط بعيد المدى. لقد نجح المغرب في بناء نموذج كروي إفريقي و اقليمي أصبح يفرض نفسه باحترام على الجميع.
وهنا تحديدا تبدأ مشكلة البعض. فنجاح المغرب لم يعد يمر مرور الكرام لدى الجيران. و بعيدا عن نظرية المؤآمرة و تقديم انفسنا ضحية، الشيء الذي قد يعطي انطباع خاطئ في علاقاتنا مع شعوب العالم، على العكس نحن شعب و امة يحبنا كثيرون، لكن هناك من يصعب عليه تقبل فكرة أن المغرب يتقدم بثبات، ويصنع لنفسه مكانة رياضية وإقليمية متقدمة.
لذلك نرى أحيانا خطابا مشحونا بالحسد، أو في أفضل الأحوال نظرات غيرة غير معلنة. وهذا مفهوم من زاوية بشرية؛ فالنجاح يزعج من اعتاد التقليل منك. لكن الأهم أن المغرب لم يعد مطالبا بالرد على الضجيج، بل بمواصلة العمل.
ومع كل هذا الزخم، يبقى السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا ربما بعد ان تنتهي المنافسة ككل : هل نملك شروط الاستمرارية؟ و ان لم تكن مكتملة علينا ان نخلقها .
هذا هو السؤال الأهم، لأنه يفصل بين لحظة تألق عابرة وبين مشروع قوة كروية مستدامة. الاستمرارية تعني أن يتحول الإنجاز إلى ثقافة، والانتصار إلى عادة، و تعني أن نحافظ على الجوع نفسه بعد كل انتصار، وأن نرفض السقوط في نشوة الإنجاز.
لقد انتصر المغرب على الطواحين، لكنه انتصر أيضا على فكرة قديمة كانت تحاصر العقل الكروي الإفريقي و “العربي” : فكرة أن سقفنا محدود وأن دورنا هو الاكتفاء بالمشاركة المشرفة. اليوم، المغرب يكسر هذه الأوهام، و يقدم عمل مختلف تماما: نحن هنا للمنافسة، لا للمجاملة؛ لصناعة المجد، لا لمصافحة التاريخ فقط.
لقد علت القدم المغربية الجبال المكسيكية، وجعلت الأراضي المنخفضة منخفضة هذه المرة لا بفعل جغرافيتها، ولا لطول رجالها، بل بفعل علوّ القدم المغربية نفسها؛ تلك القدم التي ارتفعت بالعزيمة، وبالإيمان، وبروح لا تعرف الانكسار، حتى فرضت على الخصم أن ينظر إلى الأعلى حيث يقف المغرب شامخا.
أخيرا ، قد يرى البعض أن هذا ليس وقت الكلمات ولا زمن الإشادة، وقد لا ينصحنا بما يسميه البعض «التطبيل»، لكن قول الحقيقة التي يراها الجميع ويشهد بها العدو قبل الصديق، لا يمكن أن يصنف كذلك، بل هو واجب على كل من يملك قلمًا، ويحمل في قلبه نبضا صادقا لهذا الوطن… هنيئا لنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist