ليست كل الشخصيات العظيمة من حملت سيفا أو اعتلت عرشا، فبعضها صنع مجد الأمم بحكمة الفكرة ونبل الرسالة. ومن بين تلك الأسماء الخالدة، تقف فاطمة بنت محمد الفهرية شامخة في سجل الحضارة الإسلامية والإنسانية، باعتبارها المرأة التي آمنت بأن بناء الإنسان يبدأ من بناء العلم، فتركت للعالم إرثا ما يزال حيا بعد أكثر من أحد عشر قرنا.
ولدت فاطمة الفهرية مطلع القرن التاسع الميلادي بمدينة القيروان، قبل أن تهاجر مع أسرتها إلى مدينة فاس، التي كانت آنذاك عاصمة الدولة الإدريسية. وهناك، لم تكن تعلم أن القدر سيجعل منها صاحبة أحد أعظم المشاريع الحضارية في التاريخ.

بعد وفاة والدها الفقيه محمد بن عبد الله الفهري وزوجها، آلت إليها ثروة كبيرة، لكنها لم ترَ في المال غاية، بل وسيلة لعمل يبقى أثره بعد رحيل صاحبه. وبينما كان كثيرون يبحثون عن مظاهر الثراء، اختارت هي أن تستثمر في الإنسان، وأن تجعل من ثروتها وقفًا دائمًا للعلم والمعرفة.
وفي سنة 245 للهجرة، الموافق لـ859 ميلادية، شرعت في إعادة بناء جامع القرويين وتوسيعه، بعد أن اشترت الأراضي المحيطة به وضمتها إليه. وتشير المصادر التاريخية إلى أنها كانت دقيقة في كل تفاصيل المشروع، إذ أصرت على أن تكون مواد البناء من الأرض التي اشترتها بمالها الخاص، تحريًا للنزاهة والورع، كما نذرت الصيام طوال سنوات البناء، التي امتدت قرابة ثمانية عشر عاما، حتى اكتمل الصرح، فدخلته تصلي شاكرة الله على توفيقه.

غير أن أعظم ما أنجزته فاطمة الفهرية لم يكن بناء مسجد فحسب، بل وضع حجر الأساس لمؤسسة علمية ستصبح لاحقا جامعة القرويين، التي يصنفها عدد كبير من المؤرخين، كما تعترف بذلك موسوعة غينيس للأرقام القياسية، أقدم جامعة في العالم ما تزال تزاول نشاطها إلى اليوم.
ومن بين جدران القرويين، ازدهرت علوم الفقه واللغة والطب والفلك والرياضيات والفلسفة، وتخرج فيها أو نهل من علومها علماء غيّروا مسار الفكر الإنساني، من أمثال ابن خلدون، وابن رشد، والإدريسي، وابن البناء المراكشي، وغيرهم من الأعلام الذين حملوا نور المعرفة إلى مختلف أنحاء العالم، حتى امتد تأثير القرويين إلى أوروبا في العصور الوسطى.
ولم يكن هذا الصرح مجرد مؤسسة للتدريس، بل أصبح مركزا حضاريا متكاملا ، يضم واحدة من أقدم المكتبات في العالم، تحتضن آلاف المخطوطات النادرة التي حفظت جانبًا مهمًا من التراث الإسلامي والإنساني، وما تزال شاهدة على ازدهار الحركة العلمية التي انطلقت من مدينة فاس.

ولقبت فاطمة الفهرية بـ”أم البنين”، ليس لأنها أنجبت أبناء، وإنما لأنها احتضنت بعطائها اجيالا من طلبة العلم، وسخرت ثروتها لخدمة الفقراء والغريب وابن السبيل، فكانت أمًا لكل من قصد العلم والمعرفة.
لقد أثبتت فاطمة الفهرية أن المرأة لم تكن يوما على هامش صناعة التاريخ، بل كانت في قلبه. فقد أسست مشروعا علميا وحضاريا سبق عصره بقرون، ورسخت ثقافة الوقف لخدمة المعرفة، في وقت كانت فيه كثير من المجتمعات لا تزال تبحث عن ملامح نهضتها.
واليوم، وبعد أكثر من ألف ومئة عام، لا يزال اسم فاطمة الفهرية حاضرًا بوصفه رمزا للرؤية البعيدة، والإيمان بقوة العلم، والعطاء الذي لا ينتهي. إنها ليست مجرد مؤسسة لجامعة، بل امرأة كتبت اسمها في ذاكرة الإنسانية بحروف من نور، وأثبتت أن الحضارات العظيمة تبدأ بفكرة صادقة، وإرادة لا تعرف المستحيل.