لم يكن الانتصار العريض على كندا بثلاثية نظيفة في ثمن نهائي كأس العالم 2026 مجرد نتيجة كروية، بل كان تجسيدا لمشروع رياضي مغربي بدأ يؤتي ثماره بعد سنوات من الاستثمار في التكوين والتأطير.
في تلك الأمسية، خطف عز الدين أوناحي وسفيان رحيمي الأضواء. الأول، خريج أكاديمية محمد السادس لكرة القدم، وقع هدفين أكد بهما قيمته كأحد أفضل لاعبي خط الوسط في جيله، والثاني، ابن مدرسة الرجاء الرياضي، واصل كتابة فصول تألقه بهدف ثالث جسد شخصية المهاجم الذي يعرف طريق الشباك في المواعيد الكبرى.

وراء هذه الأهداف تختبئ قصة نجاح أعمق من مجرد مباراة. إنها قصة مدرسة كروية مغربية استطاعت أن تثبت قدرتها على إنتاج المواهب، بعدما ظل الاعتقاد لسنوات أن اللاعب المغربي لا يكتمل إلا خارج الوطن. واليوم، تؤكد أكاديمية محمد السادس لكرة القدم بسلا، إلى جانب مدارس التكوين في عدد من الأندية الوطنية، أن المغرب أصبح قادرا على صناعة لاعبين بمواصفات عالمية، قادرين على حمل القميص الوطني والتألق في أكبر المحافل الدولية.

ولعل نجاح تجربة أكاديمية محمد السادس شجع الدولة على توسيع هذا النموذج ليشمل جهات أخرى من المملكة في المستقبل، في خطوة تروم تعميم فرص التكوين واكتشاف المواهب عبر مختلف ربوع البلاد. كما يرتقب أن يضطلع المكتب الشريف للفوسفاط بدور محوري في تمويل جانب من هذه المشاريع، بما يعكس قناعة متزايدة بأن الاستثمار في التكوين الرياضي هو استثمار في مستقبل الشباب وفي إشعاع المغرب الرياضي على الساحة الدولية.
وفي المقابل، نجح المغرب في تحويل تنوع مسارات لاعبيه إلى مصدر قوة. فاللاعبون الذين نشأوا وتكونوا في أوروبا حملوا معهم ثقافة الاحتراف والانضباط التكتيكي، بينما حمل خريجو المدارس المغربية مهارات فنية وشخصية كروية تشكلت في الملاعب الوطنية. وعندما اجتمع المساران داخل المنتخب الوطني، تشكل فريق متوازن يجمع بين الجودة التقنية والصلابة الذهنية وروح المنافسة.

هذا النجاح لم يصنعه اللاعبون وحدهم، بل كان ثمرة تراكم طويل قاده المدرب المغربي عبر أجيال متعاقبة. فمن مدرسة بادو الزاكي ومحمد فاخر، التي رسخت شخصية اللاعب المغربي وروح التحدي، إلى الجيل الجديد الذي يمثله وليد الركراكي ومحمد وهبي، واللذان استفادا من أحدث المدارس التدريبية الأوروبية دون أن يتخليا عن الهوية الكروية المغربية، ظل المدرب الوطني حاضرا في مختلف مراحل بناء هذا المشروع، جامعا بين أصالة المدرسة المغربية وحداثة المناهج الأوروبية.

إن قوة المنتخب المغربي اليوم تكمن في قدرته على الجمع بين أفضل ما أنتجته المدرسة الوطنية وأفضل ما وفرته مدارس التكوين الأوروبية، دون أي تعارض بينهما. إنها تجربة تؤكد أن الهوية لا تتناقض مع الانفتاح، وأن الوطنية لا تقاس بمكان الميلاد أو التكوين، بل بما يقدمه اللاعب والمدرب عندما يرتدي قميص المنتخب.
لقد أصبح المنتخب المغربي نموذجا رياضيا متفردا، يقوم على تكامل الروافد لا على تنافسها، وعلى توحيد الطاقات لا تقسيمها. ومن هنا، فإن الفوز على كندا بثلاثية نظيفة لم يكن مجرد عبور إلى ربع النهائي، بل كان انتصارا لفلسفة مغربية في التكوين، ولرؤية آمنت بأن الاستثمار في الإنسان، داخل المغرب وخارجه، هو السبيل الحقيقي لصناعة الإنجازات.ولعل أهم درس يقدمه هذا المنتخب هو أن النجاح لا يولد في ليلة واحدة، بل يبنى بصبر، ويصنعه لاعب موهوب، ومدرب كفء، وأكاديمية ناجحة، وناد يؤمن بالتكوين، ومؤسسات تستثمر في الإنسان. وعندما تتكامل هذه الحلقات، يصبح المنتخب الوطني مرآة لمغرب يثق في كفاءاته ويجعل من التكوين رافعة للتنمية والتميز.