الأحزاب تحت ضغط الشارع الرقمي.. هل تكفي الخطابات لكسب أصوات المغاربة؟

عبد السلام بن احمد

مع اقتراب الانتخابات التشريعية، لم يعد الصراع السياسي يقتصر على المنابر الحزبية أو القاعات المغلقة، بل انتقل بكل ثقله إلى الفضاء الرقمي، الذي تحول إلى محكمة مفتوحة تلاحق السياسيين في كل تصريح وكل وعد. فما إن يدلي زعيم حزبي بموقف حتى تتدفق آلاف التعليقات بين مؤيد ومعارض وساخر، في مشهد يكشف أن معركة كسب ثقة المغاربة أصبحت أكثر تعقيدا من أي وقت مضى.


أحزاب الأغلبية، وفي مقدمتها التجمع الوطني للأحرار، تخوض معركة الدفاع عن حصيلتها الحكومية، مؤكدة أن ما تحقق خلال الولاية الحالية يمثل نقلة نوعية في مسار الإصلاح، من خلال تعميم الحماية الاجتماعية وإطلاق برامج الدعم المباشر وإصلاح قطاعي الصحة والتعليم. غير أن هذا الخطاب يصطدم بشارع لا يقيس النجاح بعدد الأوراش المعلنة، وإنما بما ينعكس على معيشه اليومي وقدرته الشرائية.
ولذلك، تتحول أغلب التصريحات الحكومية على مواقع التواصل الاجتماعي إلى مادة لنقاش حاد، حيث يربط كثير من المتفاعلين أي حديث عن “الإنجازات” باستمرار غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار وصعوبة الولوج إلى فرص الشغل. وفي المقابل، يدافع أنصار الأغلبية عن الحكومة، معتبرين أن الظرفية الاقتصادية العالمية، وتوالي سنوات الجفاف، والتقلبات الدولية، عوامل لا يمكن تجاهلها عند تقييم الأداء الحكومي.


أما حزب الاستقلال، فيحرص على إبراز مساهمته في تدبير الشأن العام، مع التأكيد على ضرورة تسريع وتيرة الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية خلال المرحلة المقبلة. غير أن هذا الخطاب يواجه بدوره انتقادات على المنصات الرقمية، حيث يعتبر عدد من المتابعين أن الحزب، باعتباره مكونا رئيسيا في الأغلبية، يتحمل مسؤولية جماعية عن نتائج السياسات الحكومية، ولا يمكنه تقديم نفسه وكأنه خارج دائرة المحاسبة.


ولا يبدو حزب الأصالة والمعاصرة بعيدا عن هذا الجدل، إذ يواصل الحديث عن التنمية الترابية والعدالة المجالية والاستثمار، بينما يواجه على مواقع التواصل بتساؤلات متكررة حول الأثر الفعلي لهذه الشعارات على حياة المواطنين، في ظل استمرار المطالب بتحسين التعليم والصحة، ومحاربة الفساد، وخلق فرص الشغل.


في المقابل، يحاول الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية تقديم نفسه كصوت يدعو إلى إعادة الاعتبار للعمل السياسي، وإحياء الثقة في المؤسسات، وترسيخ منافسة انتخابية تقوم على البرامج والكفاءات. غير أن هذا الخطاب يواجه بدوره انتقادات من متابعين يرون أن الحزب لم يستعد بعد المكانة التي كان يحتلها في المشهد السياسي، بينما يعتبر آخرون أن عليه تقديم مبادرات أكثر جرأة إذا أراد استعادة موقعه داخل المعارضة.


ومن جانبه، يواصل حزب العدالة والتنمية، بقيادة عبد الإله ابن كيران، تصعيد انتقاداته للحكومة، محملا إياها مسؤولية غلاء المعيشة وتراجع القدرة الشرائية وارتفاع البطالة. إلا أن هذا الخطاب يقابله على مواقع التواصل من يذكر الحزب بأنه قاد الحكومة لعقد كامل، وأنه بدوره مطالب بالإجابة عن حصيلته قبل مساءلة الآخرين، في حين يتمسك أنصاره بأن الحكومة الحالية تتحمل المسؤولية الكاملة عن تدبير المرحلة الراهنة.

ومن جانبه، يواصل حزب التقدم والاشتراكية تموقعه داخل المعارضة، منتقدا السياسات الاقتصادية والاجتماعية للحكومة، وداعيا إلى تعزيز العدالة الاجتماعية، وتحسين الخدمات العمومية، ومراجعة عدد من الاختيارات الاقتصادية بما يخفف من الأعباء المعيشية على المواطنين. غير أن متابعين على المنصات الرقمية يرون أن الحزب، رغم حضوره البرلماني ومواقفه المنتظمة، مطالب بتوسيع حضوره الميداني وتقديم بدائل أكثر إقناعا إذا أراد استقطاب فئات أوسع من الناخبين.

أما الحزب الاشتراكي الموحد وفيدرالية اليسار الديمقراطي، فيتبنيان خطابا أكثر جذرية، يعتبر أن جوهر الأزمة سياسي وديمقراطي قبل أن يكون اقتصادياً أو اجتماعياً. ويطالبان بانتخابات نزيهة، والحد من تأثير المال الانتخابي، ومحاربة الريع والفساد، وتعزيز استقلال القضاء، وتوسيع الحريات العامة. وبينما يجد هذا الطرح دعماً لدى جزء من النشطاء، يرى آخرون أن اليسار الديمقراطي ما يزال مطالبا بتحويل مواقفه السياسية إلى حضور انتخابي قادر على منافسة الأحزاب الكبرى.
وتؤكد النقاشات المتواصلة على المنصات الرقمية أن المواطن المغربي لم يعد يتعامل مع الخطاب السياسي بالثقة نفسها التي كانت سائدة في السابق. فالوعود لم تعد تكفي، والشعارات فقدت جزءا كبيرا من بريقها، وأصبح المعيار الحقيقي هو ما يلمسه المواطن في حياته اليومية، لا ما يسمعه في المؤتمرات واللقاءات الحزبية.
وفي ظل هذا المناخ، تبدو انتخابات 2026 أكثر من مجرد محطة انتخابية عادية؛ إنها امتحان سياسي للأغلبية والمعارضة معا. فالمغاربة، كما تعكسه النقاشات اليومية على مواقع التواصل الاجتماعي، لم يعودوا يبحثون عن خطب حماسية أو تبادل للاتهامات، بل عن حلول واقعية، وبرامج قابلة للتنفيذ، وإرادة سياسية قادرة على تحويل الوعود إلى نتائج ملموسة في مجالات التعليم والصحة والتشغيل والقدرة الشرائية ومحاربة الفساد. عندها فقط يمكن للأحزاب أن تستعيد ثقة جزء من الشارع الذي بات ينظر إلى السياسة بعين أكثر نقدا وأقل تسامحا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist