من طنجة إلى باريس.. لماذا لا تتوقف الصحافة الأوروبية عن الحديث عن المغرب؟

عبد السلام بن احمد

أوروبا تتحدث عن المغرب أكثر من أي وقت مضى.. والسبب أبعد من كرة القدم والسياسة

لم يعد المغرب مجرد مادة إخبارية عابرة في الصحافة الفرنسية والإسبانية، بل تحول إلى ملف دائم يحظى بمتابعة دقيقة من كبريات المنابر الأوروبية. فمن باريس إلى مدريد، تتكرر الأسئلة نفسها: إلى أين يتجه المغرب؟ وما الذي يجعل حضوره يتعاظم في المنطقة؟ وهل يتعلق الأمر فقط بكرة القدم والدبلوماسية، أم أن المملكة دخلت بالفعل مرحلة جديدة من إعادة تشكيل موازين القوى في غرب المتوسط؟


خلال الأشهر الأخيرة، بدا واضحا أن الاهتمام الأوروبي بالمغرب تجاوز حدود الإنجازات الرياضية والاختراقات الدبلوماسية. فالمملكة التي نجحت في ترسيخ موقعها كشريك استراتيجي في ملفات الأمن والهجرة والطاقة، تستعد في الآن ذاته لخوض استحقاق سياسي لا يقل أهمية عن كل ما تحقق خارجيا: انتخابات 23 شتنبر المقبلة.
وبينما تنشغل الصحافة الأوروبية بتحليل موقع المغرب في إفريقيا ومستقبله الاقتصادي ومشاريعه المرتبطة بمونديال 2030، يلوح في الأفق سؤال آخر لا يقل أهمية: هل ستتمكن النخب السياسية المغربية من مواكبة إيقاع الدولة؟


فالانتخابات المقبلة لن تكون مجرد موعد دستوري جديد، بل ستشكل اختبارا حقيقيا لمدى قدرة الأحزاب على تقديم نخب قادرة على إدارة مرحلة تتسم بكثرة التحديات. فالمغرب الذي يطمح إلى ترسيخ مكانته كقوة إقليمية، لا يمكنه أن يخوض رهانات العقد المقبل بالأدوات نفسها والخطابات ذاتها التي استهلكها المشهد السياسي لعقود.
وتدرك العواصم الأوروبية جيدا أن نتائج استحقاقات شتنبر ستكون مؤشرا مهما على طبيعة المرحلة المقبلة. فالمملكة مقبلة على أوراش كبرى، من بينها استكمال مشاريع البنية التحتية المرتبطة بكأس العالم 2030، وتعزيز الأمن المائي، ومواجهة تداعيات التحولات الاقتصادية العالمية، إلى جانب مواصلة الدفاع عن مصالحها الاستراتيجية في محيط إقليمي مضطرب.
لكن التحدي الأكبر يبقى داخليا. فالمواطن المغربي لم يعد يكتفي بسماع لغة الأرقام والإنجازات الكبرى، بل أصبح ينتظر انعكاسها على واقعه اليومي. البطالة، وغلاء المعيشة، والفوارق الاجتماعية، وتحديات التعليم والصحة، كلها ملفات ستفرض نفسها بقوة على الحملات الانتخابية، وستضع الأحزاب أمام امتحان غير مسبوق.
وفي هذا السياق، يبدو أن جزءا من الاهتمام الأوروبي بالمغرب لا يرتبط فقط بما أنجزه، بل بما يمكن أن يصبح عليه. فنجاح المملكة في تنظيم انتقال سياسي سلس، وإفراز مؤسسات أكثر نجاعة، وتجديد نخبها، سيعني بالنسبة لأوروبا ظهور شريك أكثر قوة وتأثيرا على الضفة الجنوبية للمتوسط.
ولعل المفارقة الأكثر إثارة أن بعض الصحف الأوروبية باتت تتحدث عن المغرب باعتباره “قصة صعود” لم تكتمل فصولها بعد. فهي ترى بلدا يراكم الإنجازات في الخارج، لكنها تراقب أيضا قدرته على مواجهة تحديات الداخل. ولذلك، فإن استحقاقات شتنبر المقبلة لا تعني المغاربة وحدهم، بل تهم أيضا شركاء المملكة الذين يدركون أن استقرار المغرب وقوته يشكلان عاملا أساسيا في استقرار المنطقة بأسرها.
لقد أصبح المغرب اليوم أكثر حضورا في الصحافة الأوروبية من أي وقت مضى، لكن السبب لم يعد يقتصر على تألق منتخب وطني أو نجاح دبلوماسي أو مشروع اقتصادي ضخم. السبب الحقيقي يكمن في أن المملكة تقف عند مفترق طرق: إما أن تنجح في تحويل صعودها إلى مشروع دولة متكامل، وإما أن تكتشف أن أصعب الامتحانات ليست تلك التي تخاض في المحافل الدولية، بل تلك التي تحسم داخل صناديق الاقتراع.
وبين عيون أوروبا المترقبة، وانتظارات المغاربة المتزايدة، يقترب شهر شتنبر حاملا معه سؤالا واحدا: هل ستكون الانتخابات المقبلة محطة لتجديد الحياة السياسية، أم مجرد فصل جديد في قصة الانتظار الطويل؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist