المغرب.. سبعون سنة من انتظار الغد الذي لم يأت

إدريس العمراني

“حين تتحول السياسة من أداة للتغيير إلى آلة لإنتاج الانتظار.”
ليس أخطر ما يعيشه المغرب اليوم ارتفاع الأسعار، ولا أزمة التعليم، ولا اختناق المستشفيات، ولا حتى اتساع الفوارق الاجتماعية. الأخطر من كل ذلك أن المغاربة بدأوا يفقدون إيمانهم بأن الغد يمكن أن يكون أفضل.
منذ سنة 1956، والدولة تعد، والأحزاب تعد، والحكومات تعد. تتغير الوجوه، وتتبدل الألوان السياسية، لكن المواطن المغربي يظل في المكان نفسه: ينتظر.
انتظر جيل الاستقلال أن يتحول المغرب إلى دولة العدالة والكرامة بعد سنوات الاستعمار. وانتظر جيل التسعينيات أن يفتح التناوب التوافقي أبواب الديمقراطية. وانتظر جيل 2011 أن تضع شعارات “محاربة الفساد والاستبداد” حدا لعقود من الإحباط. وبين كل هذه الانتظارات، كان الزمن يمضي، وكانت الأحلام تتآكل.


عندما ترأس عبد الله إبراهيم الحكومة بين 1958 و1960، كان المغاربة على استعداد للعمل والتضحية دون مقابل من أجل بناء وطن خرج للتو من قبضة الاستعمار. لكن التجربة انتهت سريعا، ودخلت البلاد سنوات من التوتر السياسي. يومها، تعلم المغاربة أول درس قاس: ليس كل حلم يسمح له أن يكتمل.

وفي سنة 1998، عاد الأمل من نافذة عبد الرحمن اليوسفي. قيل إن المغرب يدخل مرحلة جديدة، وإن المعارضة التاريخية ستقود سفينة الإصلاح. صدق الناس ذلك، واعتبروا أن سنوات الرصاص أصبحت وراءهم. لكن بعد أربع سنوات، اكتشف المواطن أن الفساد لم يغادر، وأن الإدارة لم تتغير، وأن الديمقراطية ما زالت مؤجلة إلى إشعار آخر.


ثم جاء عبد الإله بن كيران سنة 2012، على إيقاع دستور جديد واحتجاجات غير مسبوقة. تحدث الرجل بلسان الشارع، ووعد بمحاربة الفساد، وقدم نفسه باعتباره صوت المواطن داخل مؤسسات الدولة. غير أن حصيلة التجربة كانت كافية لتكريس قناعة جديدة: حتى أكثر الشعارات بريقا يمكن أن تتحول إلى مجرد خطب انتخابية.
اليوم، لا يبدو أن المغاربة فقدوا الثقة في حكومة بعينها أو حزب بعينه، بل فقدوا الثقة في فكرة التغيير نفسها. لم يعد السؤال: من سيقود الحكومة المقبلة؟ بل: هل ما زالت الحكومة تملك أصلا القدرة على تغيير حياة الناس؟
فأي معنى للحديث عن الإنجازات، بينما آلاف الشباب لا يرون مستقبلهم إلا خلف أسوار القنصليات؟ وأي حديث عن النمو الاقتصادي، بينما المواطن يحسب ما تبقى في جيبه قبل أن يحسب ما تحقق في الناتج الداخلي الخام؟ وأي حديث عن الإصلاح، بينما المدرسة العمومية تترنح، والمستشفى العمومي يئن، والطبقة الوسطى تتآكل عاما بعد عام؟
لقد أصبح المغرب بلدا يعيش مفارقة غريبة؛ فكل المؤشرات الرسمية تتحدث عن التقدم، بينما يتحدث الشارع عن النجاة. الدولة تتحدث عن المشاريع الكبرى، والمواطن يتحدث عن ثمن الخبز، وعن فاتورة الكهرباء، وعن إيجار البيت، وعن مستقبل أبنائه.
إن الدول لا تنهار عندما يختلف مواطنوها مع حكوماتها، بل عندما يتوقف هؤلاء المواطنون عن تصديق أي وعد جديد. وعندما يصبح شعار “الله يدير شي تاويل ديال الخير” هو البرنامج السياسي الأكثر انتشارا بين الناس، فهذا يعني أن السياسة تراجعت، وأن اليأس بدأ يملأ الفراغ.
بعد سبعين سنة من الاستقلال، يبدو أن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يطرح ليس: ماذا حقق المغرب؟ بل: لماذا يشعر جزء كبير من المغاربة أن الغد الذي وعدوا به منذ عقود لم يصل بعد؟
سبعون سنة مرت، وما يزال المواطن المغربي يقف في محطة الانتظار، يحمل تذكرة الأمل نفسها، ويستمع إلى الإعلان ذاته: “القطار قادم”… لكنه لا يصل أبدا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist