عبدالحميد البجوقي: حين يصبح الألم لغةً… تأملات في الإبداع والمنفى والرواية

عبدالحميد البجوقي

ليلة الثاني والعشرين من يوليوز، وبين أسئلة الإعلامي والشاعر المبدع سعيد كبريت في برنامجه الأدبي على أثير إذاعة طنجة، لم يكن الحوار يدور حول الرواية فحسب، بل كان يدور، في العمق، حول الإنسان. كان سؤال الإبداع والألم والمنفى يتردد عبر الأثير، لكنه في داخلي كان يتردد عبر سنوات طويلة من الذاكرة والتجربة والأسئلة التي لم تنتهِ بعد.

حين انتهى الحوار، أدركتُ أن بعض النقاشات لا تنتهي بإطفاء الميكروفون، بل تبدأ عندها.
ثمة أسئلة تظل تُلاحق الكاتب، لا لأنه يبحث عن أجوبة نهائية، بل لأنه يعرف أن الكتابة نفسها ليست سوى محاولة نبيلة لمواصلة السؤال. ومن ذلك الحوار الشيق مع قنّاص مبدع عادت بي الخواطر والأحاسيس إلى هذه التأملات.
ليس الألم شرطًا للإبداع، كما يظن كثيرون، لكنه أحد أكثر معلميه صرامة. الأدب لم يكن يومًا ابن الجرح وحده، لكنه كثيرًا ما وُلد في جواره.
الألم، حين يعجز الإنسان عن احتماله، يبحث عن لغة، فإذا لم يجد الدموع، وجد الكلمات.
الألم لا يَكتُب الرواية، لكنه يمنحها نبضها الإنساني..
الألم لا يصنع الكاتب، لكنه يكشف أعماقه، وكل رواية تحمل ندبةً لا يراها إلا صاحبها، حتى وإن أخفاها بين عشرات الشخصيات والأحداث والأمكنة.
الروائي لا يهرب من جراحه، بل يمنحها أسماءً أخرى. يُبدّل ملامحها، يُغيِّر الأزمنة، ويبتكر المدن، لكنه يعرف في قرارة نفسه أن كل شخصية تسير في النص تحمل شيئًا من ظله، وأن كل حوار يُخفي صدى حوار قديم لم يكتمل في حياته.
ولهذا لا تكون الرواية سيرةً ذاتية، لكنها كثيرًا ما تُصبح السيرة التي يُخفيها الكاتب عن نفسه قبل أن يُخفيها عن الآخرين.
الروائي لا يكتب ما عاشه حرفيًا، بل يكتب ما استعصى على النسيان، والذاكرة لا تحتفظ بالأحداث كما وقعت، بل كما جُرحت بها الروح.
حين نتحدث عن المنفى، فإننا كثيرًا ما نُخطئ في تعريفه.
المنفى لا يبدأ عند الحدود، ولا عند ختم جواز السفر، بل عند اللحظة التي يشعر فيها الإنسان أن المكان الذي يعرفه لم يعد يعرفه، وأن الوجوه التي أحبها لم تعد تقرأ ملامحه كما كانت.
قد يعود المنفي إلى وطنه بعد سنوات طويلة، وقد يُلامس ترابه، ويستنشق هواءه، لكنه يكتشف أحيانًا أن المنفى الحقيقي لم يكن خارج البلاد، بل استقر في زاوية خفية من داخله.
بعض المنافي تُغادر الخرائط، لكنها تبقى مقيمة في الذاكرة.
ولهذا تصبح الرواية بالنسبة إلى المنفِي أكثر من جنس أدبي، إنها محاولة لإنقاذ ما تبعثر.
المنفى يُغيّر الجغرافيا، أما الرواية فتحاول أن تحمي الذاكرة من التآكل. وكل منفى يخلق لغة جديدة، بينما تبحث الرواية، بصبر، عن وطن للكلمات.
الكاتب المنفي لا يكتب عن الوطن وحده، بل عن المسافة التي أصبحت تفصل الإنسان عن ذاته. يكتب عن البيوت التي بقيت في الداخل، وعن الطرق التي لم تعد تؤدي إلى طفولته، وعن الأصدقاء الذين صاروا يسكنون الذاكرة أكثر مما يسكنون الواقع.
وحين تضيق الأرض بالإنسان، تتسع له الصفحات.
وعندما يُصبح الوطن سؤالًا مؤجلًا، تتحول الرواية إلى وطن مؤقت، وربما إلى الوطن الوحيد الذي يستطيع الكاتب أن يبنيه بيديه، حجرًا من الكلمات فوق حجر من الذكريات.
الاقتلاع ليس مغادرة الأرض، بل فقدان اليقين. والضياع ليس ألا تعرف الطريق، بل ألا تعرف أين انتهت بدايتك.
يستطيع الإنسان أن يحمل وطنه في حقيبة سفر، لكنه لا يستطيع أن يحمل طفولته، لأنها لا تقيم في الأمكنة، بل في الزمن الذي لا يعود.
وكل اقتلاع يترك جذورًا معلقة في الهواء، تبحث عن تربة جديدة فلا تجد سوى اللغة. وهنا تبدأ مهمة الرواية، لا لكي تُعيد ما ضاع، فذلك مستحيل، وإنما لكي تمنع الضياع من أن يصبح نسيانًا. فما تعجز الذاكرة عن حمله، تتكفل الرواية بإنقاذه.
لعل هذا هو سر الأدب كله. فهو لا ينقل الألم كما هو، لأن الألم الخام لا يُحتمل، وإنما يعيد خلقه بلغة يستطيع الآخرون أن يقتربوا منها دون أن تحرقهم. ولذلك لا تكون الرواية شهادة على الهزيمة، بل مقاومة للنسيان، ولا تكون الكتابة انتقامًا من الحياة، بل محاولة شجاعة لمصالحتها، حتى عندما تعجز الحياة عن تقديم اعتذارها.
الكاتب لا يكتب لأنه تألم، بل لأنه رفض أن يكون الألم آخر ما يُقال. يكتب لكي يمنح الخسارات معنى، ولكي يترك للغائبين مكانًا في الذاكرة، وللمقتلعين جذورًا في اللغة، وللمنفيين وطنًا لا تصادره الحدود.
وربما يكون أعظم انتصار للأدب أنه يُحوّل الجرح الفردي إلى ذاكرة إنسانية مشتركة، ويجعل من تجربة شخص واحد مرآةً يرى فيها الآخرون وجوههم، واختباراتهم، وأحلامهم المؤجلة.
إذا كان المنفى يُعلّم الإنسان كيف يفقد الأماكن، فإن الرواية تُعلّمه كيف يستعيدها بالكلمات. وإذا كان الألم يترك في القلب ندبة، فإن الأدب لا يمحوها، لكنه يمنحها معنى يجعلها أقل قسوة، وأكثر قدرة على البقاء..
وهكذا يبقى الإبداع، في جوهره، ليس احتفالًا بالألم، بل انتصارًا هادئًا عليه، انتصارًا لا يُلغي الجرح، لكنه يرفض أن يدعه يتكلم وحده.
شكراً سعيد كبريت..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist