السيناريوهات المحتملة للمشهد السياسي المغربي في افق انتخابات شتنبر 2026 (الحلقة الأولى)

محمد نجيب زغلول

يقدم هذا المقال قراءة تحليلية لمآلات المشهد السياسي المغربي قبيل استحقاقات 23 شتنبر 2026، انطلاقا من فرضية مركزية: أن الحركية الحزبية الظاهرة على السطح – التحاق فوزي لقجع بحزب الأصالة والمعاصرة، أزمة “الفراقشية” داخل الأغلبية، إعادة انتخاب بنكيران وسط توترات تنظيمية، وولادة “تحالف اليسار” في نسخة محدودة الحجم – تخفي تحتها منطقًا أعمق يتجاوز التنافس الحزبي التقليدي. فالمقال يجادل بأن ثمة تحولًا بنيويًا يتمثل في تحييد القرار التنموي عن الجهاز الحكومي المنتخب لصالح الجهاز الإداري الترابي (الولاة والعمال)، بالتوازي مع نقل الإشراف على مسلسل الانتخابات نفسه من رئيس الحكومة إلى وزير الداخلية، في خطوة غير مسبوقة تطرح تساؤلات حول موقع الفعل الحزبي في المرحلة المقبلة. .ويخلص المقال إلى أن دورة 2026-2030 مرشحة لأن تُدار بمنطق تقني-إداري أكثر منه بمنطق سياسي- حزبي، وأن سؤال التناوب السياسي الحقيقي مؤجل إلى ما بعد المونديال، مع التذكير بأن هذه القراءة تبقى تقديرية وقابلة للمراجعة في ضوء نتائج الاستحقاق المقبل. كما يطرح المقال سيناريو وسطيًا لقيادة الحكومة المقبلة، بين استمرارية التحالف الحاكم بقيادة محتملة لحزب الاستقلال من جهة، واحتمال بلقنة موجهة تمنح الدولة هامش مناورة واسعًا من جهة أخرى.وانطلاقا من هذه المعطيات، فان موقع “تحالف اليسار”، الذي يرجّح أن يظل فاعلا هامشيا من حيث تأثير القرار، لكنه يساهم موضوعيا في تكريس التشظي العام للمشهد في غياب تحالف يساري اوسع. وفي هذا الإطار، فمن الناحية الاستراتيجية على تحالف اليسار مراجعة موقفه وقبول المشاركة الحكومية المشروطة بضمانات ملكية واضحة ك”بطاقة بيضاء” للتدبيرالحكومي بدل الاحتماء العقيم بمطلب تغيير الدستور وعدم قبول المشاركة في صنع القرار السياسي ان استطاع الى ذلك سبيلا…. مع تسجيل التحفظ الكلاسيكي الذي يقابل هذا الطرح داخل اليسار نفسه والعمل من داخل وخارج المؤسسات لتغيير الدستور تدريجيا لكسب ضمانات اكثر تساهم في دمقرطة العمل السياسي.

–الحلقة الأولى–

المشهد السياسي المغربي على مشارف استحقاقات 23 شتنبر 2026:
يتقدّم المشهد السياسي المغربي نحو استحقاقات 23 شتنبر 2026 بوصفه معادلة مركبة تتداخل فيها الاستمرارية المؤسساتية مع اضطرابات جزئية داخل الأغلبية والمعارضة على حد سواء، دون أن ترقى هذه الاضطرابات إلى حد قلب موازين القوى القائمة. فالتحاق فوزي لقجع بحزب الأصالة والمعاصرة (“الجرار”) أثار تأويلات واسعة حول تكرار سيناريو 2021 حين قاد أخنوش الحزب نفسه لإزاحة الإسلاميين من الصدارة، وهو ما يطرح تساؤلا جديا حول قدرة لقجع على تحقيق ما فشل فيه أمينان عامان سابقان رغم نفوذهما. وتضع بعض التحليلات اسمه كمرشح محتمل لقيادة حكومة مرتبطة بملفات الاستثمار والتحضير لكأس العالم 2030، دون أن يوجد أي مؤشر رسمي يحسم هوية القائد المقبل للحكومة سلفًا، رغم أن التحاقه بالحزب أشعل موجة تأويلات سياسية واسعة.


في المقابل، ورغم مغادرة عزيز أخنوش رئاسة “الأحرار” في فبراير الماضي، تؤكد مصادر حزبية استمرار انخراطه الفعلي، إذ ساهم في إعداد البرنامج السياسي الجديد للحزب، وهو ما يعزز فرضية استمرار حضوره في التحضير للاستحقاقات رغم تخليه عن المنصب الرسمي. وقد تزامن هذا التموقع مع أزمة سياسية داخل الأغلبية الحكومية نفسها بخصوص لجنة تقصي الحقائق في ملف “الفراقشية” (دعم استيراد المواشي)، حيث رفض فريق “الأحرار” الانخراط فيها معتبرًا إياها مبادرة “سياسوية”، بينما مالت باقي مكونات الأغلبية والمعارضة نحو تشكيلها، في ما وُصف بـ”زلزال سياسي” ترك رئيس الحكومة معزولا نسبيا عن حلفائه، مع توجه اللجنة المرتقبة نحو التعمق في مسارات صرف الأموال العمومية وتحديد المستفيدين الحقيقيين من الدعم.
أما حزب العدالة والتنمية، فقد أعاد انتخاب عبد الإله بنكيران أمينًا عامًا له لأربع سنوات وسط نقاش حول استقلالية الحزب وقوته التنظيمية، إذ يراهن أنصاره على قدرته على استكمال استعادة العافية التنظيمية بعد الهزيمة الحادة سنة 2021 حين تراجع من المرتبة الأولى إلى الثامنة. غير أن الحزب يواجه توترات داخلية متصاعدة بخصوص ملف التزكيات في عدة جهات، وسط اتهامات لبعض القيادات بإدخال اعتبارات غير نضالية كالحضور الإعلامي في اختيار المرشحين، وهو ما يضع القيادة أمام تحدي احتواء الاحتقان الداخلي في وقت حساس.
وصولًا إلى تحالف يساري محدود الحجم يجمع فيدرالية اليسار الديمقراطي والاشتراكي الموحد، واللذين توصلا إلى “تحالف اليسار” برمز موحد (شمعة ورسالة)، بعد أن اصطدمت محاولات ضم حزب التقدم والاشتراكية بتحفظ تنظيمي من طرف “تحالف اليسار” تجاه الانخراط في تحالف مؤسساتي معه، ما أبقى التقارب الثلاثي “فرضية للنقاش” أكثر من واقع سياسي ناضج. ويواجه هذا التحالف أيضا شكاوى من تشطيب إداري طال عددًا من مرشحيه وقياداته، اعتبره في بيان له محاولة لإقصاء الصوت الديمقراطي وهندسة مسبقة للنتائج. وبناء على هذه المعطيات، تبقى حظوظ هذا التحالف في تشكيل قوة معارضة موازنة محدودة الحجم مقارنة بالكتل الكبرى، وأقرب إلى تعزيز حضور رمزي ونضالي منه إلى تغيير موازين القوى البرلمانية جذريا.

–يتبع–

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist