من خلال قراءتي لكتاب “الخطاب الإعلامي وصناعة المعنى: من التحليل الدلالي إلى آليات الشرعنة – رهانات المعنى في زمن الوسائط”، للكاتب عبد السلام الأندلسي، أستاذ الإعلام والتواصل بكلية الآداب والعلوم الإنسانية التابعة لجامعة عبد المالك السعدي، وجدت نفسي أمام عمل يتجاوز في رهاناته حدود تحليل الخطاب الإعلامي بمفهومه التقليدي، ليفتح نقاشا أوسع حول المعرفة والوعي والجامعة ودور الإنسان في صناعة المعنى.

الكتاب، الصادر عن منشورات مجموعة الدراسات والأبحاث في الإعلام والمعلومة، وهي هيئة علمية مدنية تضم عددا من الأساتذة الباحثين من مختلف مؤسسات جامعة عبد المالك السعدي، ينطلق من فكرة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في نتائجها: المعلومة لا تصل إلينا محايدة دائما ، والمعنى لا يولد من الكلمات وحدها، بل يتشكل داخل شبكة معقدة من اللغة والسياق والمصالح والسلطة والتأويل.
وهنا تكمن أهمية الكتاب في زمن أصبحت فيه المعلومة أسرع من قدرتنا على استيعابها، وأصبحت فيه صورة واحدة أو عنوان مقتضب أو مقطع قصير قادرا على تشكيل موقف، وصناعة انطباع، بل واحيانا توجيه الرأي العام. فالإعلام لم يعد مجرد وسيلة لإخبار الناس بما يحدث، وإنما أصبح فاعلا أساسيا في تحديد الطريقة التي نفهم بها ما يحدث.

وأنا أتأمل هذه الفكرة، وجدتني أعود إلى السؤال الذي أراه أكثر إلحاحا اليوم: كيف نصنع مجتمعا قادرا على التفكير، لا مجرد مجتمع يكتفي بتلقي ما يقدم له؟
فالمشكلة لم تعد في ندرة المعلومات، بل ربما أصبحت في وفرتها الهائلة. نحن نعيش وسط تدفق متواصل من الأخبار والصور والتعليقات والتحليلات، لكن كثرة المعلومات لا تعني بالضرورة كثرة المعرفة. وقد يتحول هذا التدفق، إذا غاب التفكير النقدي، إلى ضجيج يصعب معه التمييز بين الحقيقة والرأي، وبين المعلومة والتأويل، وبين ما يستحق التصديق وما يحتاج إلى التحقق.
ومن هنا أجد أن الإعلام المسؤول لا ينبغي أن يكتفي بنقل المعلومة، بل عليه أن يمنحها سياقها، وأن يساعد المتلقي على فهمها، وأن يفتح أمامه المجال لطرح الأسئلة. فالخبر الذي يصل إلى الإنسان دون سياق قد يخبره بما وقع، لكنه لا يساعده بالضرورة على فهم لماذا وقع، وما خلفياته، وما نتائجه المحتملة.
وهذه الفكرة تجعلني أنظر إلى الصحفي باعتباره أكثر من مجرد ناقل للأحداث. إنه، بشكل أو بآخر، شريك في صناعة الوعي. فاختيار العنوان، والصورة، والمصطلح، وترتيب المعلومات، والمساحة الممنوحة لكل رأي، كلها عناصر يمكن أن تؤثر في الطريقة التي يستقبل بها الجمهور الحدث نفسه.
وفي هذا السياق، تكتسب أفكار عبد السلام الأندلسي أهمية خاصة، خصوصا حين ينتقل من تحليل البنى الدلالية والرمزية للخطاب الإعلامي إلى البحث في آليات الشرعنة التي تجعل بعض الأفكار تبدو مقبولة أو طبيعية أو بديهية داخل المجتمع. كما يقترح مقاربات وأدوات تساعد على تجاوز القراءة السطحية للخطاب، من خلال الجمع بين السيميائيات والتداولية والمقاربات الاجتماعية، وصولا إلى النموذج الذي يسميه الباحث IVSCD لفهم ديناميات المعرفة الرقمية.
ولعل ما شدني أكثر في هذا الكتاب هو أنه لا يتعامل مع الإعلام باعتباره جزيرة منفصلة عن بقية المجتمع، بل يضعه داخل منظومة أوسع تتقاطع فيها المعرفة مع السلطة، والتواصل مع التأثير، والمعلومة مع القرار. وهذا يعني أن دراسة الخطاب الإعلامي ليست ترفا أكاديميا، وإنما أصبحت ضرورة لفهم الطريقة التي تتشكل بها مواقف الأفراد والجماعات في عصر المنصات الرقمية.
ومن هذه الزاوية، يصبح الحديث عن الإعلام حديثاًعن الجامعة أيضا. فالجامعة التي تنتج المعرفة لا يمكن أن تكون بعيدة عن الأسئلة التي يطرحها المجتمع، كما أن المعرفة التي تبقى حبيسة جدران المؤسسات الأكاديمية تفقد جزءا من قدرتها على التأثير. الجامعة الحقيقية، في نظري، هي التي تفتح أبوابها للسؤال والاختلاف والنقاش، وتمنح الباحث والطالب الحق في التفكير، وفي مراجعة الأفكار، وفي البحث عن إجابات جديدة.
لقد علمتنا التجربة الإنسانية أن المعرفة لم تكن يوما ملكا لحضارة واحدة أو لغة واحدة. إنها نتاج تراكم إنساني طويل، ساهمت فيه حضارات وثقافات ومدارس فكرية وعلمية مختلفة. فكل حضارة أخذت وأعطت، وكل تجربة أضافت شيئا إلى المسار الإنساني العام. ولذلك فإن الجامعة التي تنفتح على تجارب الآخرين لا تفقد هويتها، بل تقويها، لأن قوة المعرفة لا تأتي من الانغلاق، وإنما من الحوار والتفاعل والقدرة على تحويل الاختلاف إلى فرصة للإبداع.
وإذا كانت الجامعة فضاء لإنتاج المعرفة، فإن الإعلام هو أحد أهم الفضاءات التي تنتقل عبرها هذه المعرفة إلى المجتمع. ولهذا فإن العلاقة بين الجامعة والإعلام يجب ألا تقوم على القطيعة، بل على التكامل. الباحث يحتاج إلى إعلام قادر على تبسيط المعرفة دون تشويهها، والإعلام يحتاج إلى جامعة تنتج أفكارا وأبحاثا وأسئلة جديدة.
لكن المعرفة، في نظري، لا يمكن أن تكتمل من دون الأخلاق. وهذه واحدة من أكثر الأفكار التي توقفت عندها في الكتاب، خصوصا في الوصية التي اختار لها المؤلف عنوان «عندما تسمو الأخلاق على المناصب والشهادات». فالمنصب، كما يذكرنا المؤلف، ليس امتيازا يرفع الإنسان فوق الآخرين، والشهادة ليست نهاية الطريق، وإنما قيمة العلم في أثره وفي مقدار ما يضيفه إلى صاحبه من تواضع ومسؤولية.
وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة في الجامعة وفي الإعلام معا؛ لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس فقط أن تحجب معلومة، وإنما أن يهمش عقل، أو تقصى فكرة، أو يحبط باحث، أو يقتل فضول طالب بسبب سلطة منصب أو غرور شهادة. فالمجتمعات لا تتقدم حين تصمت العقول، وإنما حين تمنحها فرصة السؤال والتجربة والاختلاف.
وقد يكون من أقوى ما يمكن استخلاصه من هذه الرؤية أن ظلم الأفكار أخطر من ظلم الأشخاص؛ لأن الشخص قد يتجاوز تجربة الإقصاء، أما الفكرة التي تدفن قبل أن تجد فرصة للنقاش فقد تحمل معها إمكانية لمستقبل لم يولد بعد.
وفي زمن الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية، تبدو هذه الأسئلة أكثر إلحاحا. فالتكنولوجيا تستطيع أن تنتج المحتوى بسرعة غير مسبوقة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تضمن أن هذا المحتوى عادل أو دقيق أو مسؤول. ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في إنتاج المعلومات، لكنه لا يعفي الإنسان من مسؤولية التحقق منها وفهم سياقها والتعامل معها بأخلاق.
وهنا تتقاطع أفكار الكتاب مع ما أشار إليه الدكتور حسن مصطفى، أستاذ التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي وخبير الإعلام الرقمي، حين اعتبر أن المحتوى الذي لا يفهم كيف يتحول إلى معنى قد يتحول في النهاية إلى مجرد ضجيج لا يصنع قراراً. وهي فكرة تختصر جانباً أساسيا من رهانات الكتاب: القيمة ليست في كمية المعلومات التي ننتجها، وإنما في قدرتنا على تحويلها إلى معرفة، والمعرفة إلى فهم، والفهم إلى وعي، والوعي إلى فعل مسؤول.
كما أن تقديم الدكتور رشيد برهون للكتاب يضع اليد على هذه المنطقة الفاصلة بين المعلومة والقرار، حيث لا تتوقف أهمية الخطاب عند الكلمات التي يتضمنها، بل تمتد إلى التأويلات والتصورات التي ينتجها، وإلى الطريقة التي يمكن أن تؤثر بها في الأفراد والجماعات.
ومن هنا أجد أن مستقبل الإعلام لا يرتبط فقط بالتقنيات الحديثة، ولا بعدد المنصات التي نمتلكها، ولا بسرعة الوصول إلى الجمهور، وإنما يرتبط أولا بالإنسان الذي يقف خلف كل ذلك: صحفي يمتلك المعرفة، وعقلاً نقدياً، وحسا اخلاقيا ، وقدرة على السؤال، واستعدادا للاعتراف بعدم المعرفة عندما لا تكون المعطيات كافية.
في النهاية، ترك فيّ هذا الكتاب سؤالاً أكثر من تركه جواباً: هل نريد مجتمعا يعرف الكثير، أم مجتمعا يعرف كيف يفكر فيما يعرف؟
ربما تكون الإجابة هي جوهر الرهان كله. فالمجتمع القوي ليس هو الذي يمتلك أكبر قدر من المعلومات، وإنما الذي يمتلك القدرة على فحصها وفهمها ومناقشتها وتحويلها إلى معرفة نافعة. والإعلام القوي ليس الذي يصل إلى أكبر عدد من الناس فقط، بل الذي يترك لدى هؤلاء الناس قدرة أكبر على التفكير.
لقد تغيرت الوسائط، وتطورت التكنولوجيا، وأصبحت المعلومة في متناول الجميع تقريباً، لكن الحاجة إلى العقل لم تتغير. بل ربما أصبحت أكبر من أي وقت مضى. ولذلك فإن المعركة الحقيقية اليوم ليست معركة من يملك المعلومة، وإنما معركة من يملك القدرة على صناعة المعنى وحماية الحقيقة وبناء الوعي.
وهنا، في تقديري، تكمن القيمة الأعمق لكتاب عبد السلام الأندلسي: أنه لا يدعونا فقط إلى قراءة الخطاب الإعلامي، بل إلى قراءة ما وراءه، ولا يطلب منا أن نعرف ما تقوله الوسائط فحسب، بل أن نسأل: لماذا قيل؟ وكيف قيل؟ ولأي معنى يقود؟ وإلى أي قرار يمكن أن ينتهي؟
فبين المعلومة والوعي مسافة، وبين المعرفة والفعل مسافة أخرى، وما يصنع الفرق بينهما هو الإنسان القادر على التفكير.