لم تعد الفراولة مجرد فاكهة، ولا الموز مجرد وجبة خفيفة، ولا الليمونة مجرد مكون في المطبخ. على مواقع التواصل الاجتماعي، بل تحولت هذه المنتجات الزراعية البسيطة إلى شخصيات لها وجوه وأصوات ومشاعر وعلاقات عاطفية، بل أصبحت لها خيانات وصراعات وصداقات وانفصالات ومؤامرات، وكأننا أمام مسلسل درامي متكامل، لكن أبطاله هذه المرة ليسوا بشرا.

هكذا ظهر واحد من أكثر اتجاهات المحتوى إثارة للانتباه على منصات مثل تيك توك وإنستغرام وفايسبوك: قصص الفاكهة المصنوعة بالذكاء الاصطناعي. محتوى يبدو للوهلة الأولى مضحكا، عبثيا وساذجا..، لكنه استطاع خلال فترة قصيرة أن يبني شخصيات وقصصا يتابعها ملايين المستخدمين، وأن يحول ثمرة فاكهة إلى “نجم” له جمهور ينتظر الحلقة الجديدة ويتابع تطورات علاقاته ويختار الشخصية التي يتعاطف معها.

ومن أبرز النماذج التي عرفت انتشارا واسعا ما يعرف بـ “جزيرة حب الفاكهة” (Fruit Love Island)، وهو عمل ساخر مولد بالذكاء الاصطناعي يحاكي برامج تلفزيون الواقع، حيث تتحول الفواكه إلى متسابقين بوجوه وأصوات وشخصيات مستقلة، وتدور بينها علاقات ومواقف عاطفية متشابكة. وتظهر شخصيات بأسماء مثل “ستروبيرينا” و”بانانيتو” و”شيريتا”، لتتحول تدريجيا من مجرد صور مصطنعة إلى شخصيات يتعرف إليها الجمهور ويتابع مصيرها.

واللافت أن قوة هذا المحتوى لا تكمن في الفكرة وحدها، وإنما في طريقة تقديمها. فالمشهد الذي تظهر فيه موزة حزينة أو فراولة تبكي قد يبدو سخيفا، لكن عندما يقدم بإضاءة سينمائية وصوت مؤثر وموسيقى درامية وحوار مصمم بعناية، يصبح المشاهد أمام قصة تدفعه إلى التوقف عن التمرير ومتابعة ما سيحدث.
وهنا يكمن سر الانتشار: التناقض بين سخافة الفكرة وجدية التنفيذ.
فالمتلقي لا يشاهد مجرد صورة لثمرة فاكهة، بل يدخل في قصة لها بداية وتطور ونهاية مؤقتة، ثم يترك أمام سؤال: ماذا سيحدث في الحلقة المقبلة؟ هل ستعود الفراولة إلى الموز؟ هل سيكتشف أحد الشخصيات الخيانة؟ من سيكذب على من؟ ومن سيخرج من “الجزيرة”؟
هذه الطريقة في بناء المحتوى تختلف عن الفيديوهات القصيرة التقليدية؛ لأنها تصنع نوعا من الارتباط بين الجمهور والشخصيات. المشاهد لا يكتفي بالمشاهدة، بل يتخذ موقفا ، ويدافع عن شخصية، ويهاجم أخرى، وينتظر الجزء التالي، وربما يبحث عن المقاطع القديمة لفهم القصة كاملة.
وهذا ما يفسر قدرة هذه الشخصيات المصنوعة بالذكاء الاصطناعي على بناء قاعدة جماهيرية كبيرة خلال فترة قصيرة، في وقت أصبحت فيه الخوارزميات تكافئ المحتوى القادر على إبقاء المستخدم أطول فترة ممكنة أمام الشاشة.
لكن القصة لا تتوقف عند الفاكهة، فبمجرد نجاح هذا القالب، أصبح من السهل نقله إلى أي شيء تقريبا. ظهرت الخضراوات كشخصيات في مواقف درامية، والوجبات الخفيفة داخل قصص بوليسية، والمنتجات اليومية وهي تخوض أزمات عاطفية، بل أصبح بالإمكان تحويل أي غرض عادي إلى شخصية تمتلك اسما ووجها وصوتا وماضيا وحكاية.
وهنا تظهر إحدى أهم خصائص الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى: إعطاء الأشياء الجامدة شخصية إنسانية.
لم تعد العلامة التجارية بحاجة إلى ممثل حقيقي كي تروي قصة، ولم يعد صانع المحتوى مضطرا إلى الظهور أمام الكاميرا، كما أصبح بالإمكان إنتاج سلسلة كاملة من الشخصيات الخيالية بأدوات بسيطة نسبيا. ويمكن حتى للمستخدم العادي أن يصمم شخصيته الخاصة باستخدام تطبيقات تحرير وصناعة الصور والفيديو المدعومة بالذكاء الاصطناعي، فيجعل ثمرة أو حيوانا أو شيئا من اختياره بطلا لقصة من نسج خياله.
وقد بدأت بعض العلامات التجارية بدورها في الاستفادة من هذا الاتجاه، من خلال الدخول إلى عالم الشخصيات نفسها والتفاعل معها، في محاولة للاستفادة من اللغة التي بات الجمهور يعرفها ويتداولها.
لكن خلف هذه الظاهرة المرحة، تبرز مسألة أكثر جدية تستحق التوقف عندها: ماذا يحدث عندما يصبح هذا النوع من المحتوى جزءا من يوميات الأطفال؟
فإذا كان الكبار يستطيعون النظر إلى قصة “موزة تخون فراولة” باعتبارها مجرد سخرية ومحتوى عبثي، فإن الطفل قد يتعامل معها بطريقة مختلفة تماما. الطفل لا يمتلك دائما القدرة نفسها على الفصل بين الترفيه والرسائل التي يحملها المحتوى، خصوصا عندما تكون الشخصيات جذابة، والألوان لافتة، والأصوات مرحة، والقصة متسلسلة وتدفعه إلى مشاهدة المزيد.
وهنا لا تكمن المشكلة في أن الفاكهة تتحدث أو أن الذكاء الاصطناعي يصنع شخصيات خيالية، بل في الأفكار والسلوكيات التي يمكن تمريرها من خلال هذه الشخصيات دون أن تبدو للطفل وكأنها رسالة مباشرة.
فحين تصبح الخيانة جزءا من الحبكة المتكررة، قد تتحول من مجرد موقف درامي إلى سلوك مألوف يتم تقديمه بطريقة ساخرة أو مثيرة. وحين يصبح التنمر وسيلة لإضحاك الجمهور، يمكن أن يتعلم الطفل أن السخرية من الآخر شكل طبيعي من أشكال الترفيه. وحين تقدم الحيلة أو النصب أو الكذب باعتبارها ذكاء وقدرة على الإفلات من الآخرين، قد تختلط لدى الطفل الحدود بين السلوك الذكي والسلوك الخاطئ.
الأمر نفسه ينطبق على الاتكالية، حين تقدم بعض القصص الشخصية التي لا تفعل شيئاً سوى انتظار الآخرين لإنقاذها، أو تجعل الوصول إلى الهدف مرتبطا بالخداع أو استغلال الآخرين، أو تقدم الشهرة والمال والانتصار باعتبارها غايات تبرر أي وسيلة.
الأخطر أن هذه الرسائل لا تأتي في شكل درس أخلاقي واضح يمكن للطفل مناقشته أو رفضه، وإنما تختبئ داخل قصة مسلية. فالطفل لا يجلس أمام شاشة ليقال له: “تعلم التنمر”، وإنما يشاهد شخصية محبوبة تسخر من أخرى، ثم يضحك، ثم ينتقل إلى الحلقة التالية. ولا يقال له: “الخيانة أمر عادي”، بل تبنى القصة حول خيانة مثيرة تجعل المشاهد ينتظر نتائجها.
وهذا بالضبط ما يجعل السرد المتسلسل أكثر تأثيرا من الفيديو المنفرد.
فالشخصية التي يراها الطفل مرة واحدة قد تنسى سريعا، أما الشخصية التي تظهر عشرات المرات، ولها اسم وصوت وشكل مميز، وتعيش سلسلة من المغامرات والمشاكل، فقد تتحول إلى شخصية مألوفة وربما محببة. ومع الوقت، تصبح العلاقة بين الطفل والشخصية أقرب إلى علاقة متابعة لمسلسل كرتوني، حتى وإن كان المحتوى في الأصل مجرد فيديوهات قصيرة مولدة بالذكاء الاصطناعي.
ولا ينبغي أن يعني ذلك التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره خطرا في حد ذاته. على العكس، يمكن لهذه التقنية أن تنتج محتوى تعليميا وإبداعيا بالغ القيمة. فمن الممكن مثلا أن تتحول الليمونة إلى شخصية تشرح بطريقة مبسطة مفهوم حمض الستريك، أو أن تصبح حبة الذرة بطلة لقصة تعليمية عن الزراعة، أو أن تستخدم الشخصيات الخيالية لتقديم دروس في العلوم واللغة والسلوك بطريقة تجذب الأطفال.
المشكلة إذن ليست في أن تتحدث الفاكهة، وإنما في ما الذي تقوله عندما تتحدث.
وهنا تقع مسؤولية كبيرة على صناع المحتوى والمنصات والعلامات التجارية، والأهم على الأسرة. فالأطفال لا يحتاجون بالضرورة إلى المنع الكامل، بقدر ما يحتاجون إلى مرافقة واعية تساعدهم على فهم ما يشاهدونه. يمكن للأب أو الأم أن يسأل الطفل: لماذا تصرفت هذه الشخصية بهذه الطريقة؟ هل كان ما فعلته صحيحا؟ ماذا كان يمكن أن تفعل بدلا من ذلك؟ وهل ما شاهدناه حقيقي أم قصة مصنوعة بالذكاء الاصطناعي؟
هذه الأسئلة البسيطة تحول الطفل من متلق سلبي إلى مشاهد قادر على التفكير والنقد.
لقد نجح محتوى الفاكهة المدعوم بالذكاء الاصطناعي في إثبات حقيقة مهمة في عصر المنصات الرقمية: الجمهور لا يحتاج دائما إلى قصة منطقية كي يتابعها، بل يحتاج إلى قصة تشده وتجعله يريد معرفة ما سيحدث بعد ذلك.
لكن النجاح الجماهيري لا يعني بالضرورة أن المحتوى بريء أو آمن. فكلما اتسعت قاعدة الجمهور، وخصوصا بين الأطفال، ازدادت أهمية السؤال عن القيم التي تمرر من خلاله.
وربما تكون المفارقة الأكبر أن التكنولوجيا التي تستطيع أن تجعل حبة فراولة تبكي، وموزة تقع في الحب، وليمونة تشرح درسا في الكيمياء، تستطيع أيضا أن تجعل فكرة خاطئة تبدو جذابة ومضحكة وقابلة للتكرار.
لذلك، فإن التحدي الحقيقي أمامنا ليس إيقاف الفاكهة عن الكلام، وإنما تعليم أطفالنا أن يستمعوا إليها بعين ناقدة.
ففي عالم أصبحت فيه الخوارزميات قادرة على تحويل أي شيء إلى شخصية، قد لا يكون السؤال المهم: ماذا نشاهد؟ بل: ماذا نتعلم دون أن نشعر ونحن نشاهد؟
Comments 1
المشكلة ليست في أن تتحدث الفاكهة بالذكاء الاصطناعي، بل في الأفكار والقيم التي قد تمررها إلى الأطفال تحت غطاء الترفيه.