لم تكن افتتاحية جريدة «الأنوار» في ذلك العدد مجرد مادة تحريرية عادية، فقد كتبت في غياب رئيس التحرير، ووجهت انتقادات حادة إلى تدبير قطاع التعليم في تطوان، قبل أن يجد العدد طريقه إلى الأكشاك. ومع ذلك، لم تتحول الواقعة إلى أزمة داخل هيئة التحرير، بفضل موقف الزميل أحمد الخمسي الذي اختار تفهم الظروف بدل ترتيب المسؤوليات.

تعود الحكاية إلى أواخر تسعينيات القرن الماضي، حين كانت الصحافة الجهوية في تطوان تعيش مرحلة مزدهرة، وتتنافس مجموعة من الجرائد المحلية على استقطاب القراء وصناعة الخبر والموقف. وكانت جريدة «الأنوار» واحدة من هذه التجارب التي حاولت الحفاظ على انتظام صدورها، رغم محدودية الإمكانيات المالية والتقنية.
في أحد الأعداد، كان الصديق أحمد الخمسي، رئيس التحرير ومدير النشر، في إسبانيا لحضور ندوة نظمتها جمعية «أتيمي» للمهاجرين المغاربة. وفي الوقت الذي كان فيه العدد يقترب من الإغلاق، كانت هناك صفحة واحدة لا تزال تنتظر مادتها الأساسية: الافتتاحية.
لم تكن وسائل الاتصال آنذاك تسمح بالتواصل السريع. فالهواتف النقالة لم تكن قد أصبحت جزءا من الحياة اليومية، وكان الوصول إلى رئيس التحرير الموجود خارج المغرب أمرا بالغ الصعوبة.

أمام هذا الوضع، اقترحت على الزميل إدريس بن يحيى أن يتولى كتابة الافتتاحية. تردد في البداية، معتبرا أن صفته لا تخوله القيام بهذه المهمة، قبل أن يقتنع بعد نقاش بيننا ويتحمل مسؤولية الكتابة.
وبعد يوم واحد، كانت الافتتاحية جاهزة.
لم تكن نصا احتياطيا لسد الفراغ، بل جاءت قوية اللهجة، وركزت على تدبير قطاع التعليم في تطوان، متضمنة انتقادات حادة للنيابة الإقليمية للتعليم.
صدر العدد ووزع في الأكشاك، قبل أن يعود أحمد الخمسي إلى تطوان. وعندما اطلع على العدد، اكتشف أن الافتتاحية كتبت في غيابه، وأنها تتناول بالنقد إدارة إقليمية.
كان الموقف دقيقا، لأن الافتتاحية تمثل موقف الجريدة، ومسؤوليتها التحريرية لا تنفصل عن رئيس التحرير ومدير النشر.
وعند لقائي به بعد عودته، سألني عن صاحب الافتتاحية، فأخبرته بما حدث. ومن خلال ملامح وجهه، بدا واضحا أنه لم يكن راضيا عن الطريقة التي تمت بها العملية، وأن الأمر كان خطأ تحريريا لا يمكن تجاهله.
لكن الزميل أحمد الخمسي لم يتخذ أي موقف، ولم يجعل من الواقعة قضية داخل الجريدة.
وهنا تحديدا تكمن أهمية الحكاية.
فأحمد الخمسي، كما أذكره وكما عرفه زملاؤه، كان رجلا يقدر المواقف والظروف، ويعرف أن العمل الصحفي لا يقوم فقط على الصلاحيات والإجراءات، وإنما أيضا على الثقة والصراحة وتحمل المسؤولية.
بعد أكثر من عقدين، تبدو الواقعة جزءا من ذاكرة زمن مختلف، زمن كانت فيه الجريدة تصل إلى المطبعة محملة بالقلق، وكانت كل صفحة تحتاج إلى جهد، وكل عدد يمثل معركة صغيرة من أجل الاستمرار.
لم تكن هناك هواتف ذكية ولا بريد إلكتروني ولا وسائل التواصل الاجتماعي. كان الصحفيون يعملون بما توفر لهم، ويبحثون عن الحلول في اللحظة الأخيرة.
ومن تلك اللحظة خرجت افتتاحية حادة، وخرج معها عدد جديد من جريدة «الأنوار».
ربما كان ما حدث خطأ تحريريا، لكنه تحول مع مرور الزمن إلى واحدة من الذكريات التي تختصر روح الصحافة الجهوية في تطوان: إمكانيات محدودة، جرأة في الكتابة، وثقة بين أفراد هيئة تحرير كانت تؤمن بأن الجريدة يجب أن تصدر مهما كانت الظروف.
وللتاريخ، يبقى موقف الزميل أحمد الخمسي جزءا من هذه الحكاية، فقد كان ولا يزال، في نظري، من رجال المواقف، ممن يعرفون أن بعض اللحظات لا تحتاج إلى العقاب بقدر ما تحتاج إلى الفهم، وأن الصدق والصراحة يظلان أحيانا أهم من الخطأ نفسه.
هكذا كتبت الافتتاحية في آخر لحظة، لكنها بقيت، بعد سنوات طويلة، واحدة من أكثر افتتاحيات «الأنوار» حضورا في الذاكرة.