انتهت مباراة البرلمان أخيرا…
انتهت معها الخطب، والوعود، والابتسامات الانتخابية، وصور المرشحين التي احتلت الجدران والواجهات، وانتهت أيضا حكاية “غدا سيكون أفضل” التي رافقت الحملة الانتخابية من أول يوم إلى آخر صندوق.
الآن، وبعد أن قالت صناديق الاقتراع كلمتها، لم يعد أمام السياسيين سوى شيء واحد: قراءة لوحة النتائج… ثم البحث عن الممر المؤدي إلى الأغلبية.
أما المواطن، فربما يحتاج إلى استراحة قصيرة من السياسة.

ولحسن الحظ، جاء الموعد في الوقت المناسب.
غدا الجمعة، ستنتقل الأنظار من صناديق الاقتراع إلى المستطيل الأخضر، ومن سؤال “من فاز بالمقاعد؟” إلى سؤال أكثر بساطة ووضوحا:
من سيفوز بالمباراة؟
إنها مباراة المغرب والغابون.
وهنا، على الأقل، لا يحتاج المشاهد إلى مترجم سياسي لفهم النتيجة.
في البرلمان… الأرقام تتكلم
الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر أعادت ترتيب المشهد البرلماني.
الأصالة والمعاصرة تصدر النتائج المؤقتة بـ97 مقعدا، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعدا، ثم الاستقلال بـ65 مقعدا، فيما سجل العدالة والتنمية عودة قوية بحصوله على 54 مقعدا.

أرقام ستفتح بلا شك أبوابا واسعة للتأويل والتحليل والحسابات.
وهنا تبدأ اللعبة السياسية الحقيقية.
ففي كرة القدم، يكفي أن تنظر إلى لوحة الملعب لتعرف من سجل ومن تلقى الأهداف.
أما في السياسة، فقد تحتاج إلى لجنة، ثم لجنة للتنسيق، ثم مشاورات، ثم مشاورات حول المشاورات، ثم انتظار من سيجلس مع من، ومن سيدعم من، ومن سيجلس في الصف الأمامي، ومن سيكتفي بالتصفيق من الصفوف الخلفية!
إنها كرة قدم… ولكن من دون كرة، وأحيانا من دون صافرة نهاية واضحة.
اللاعبون تغيروا… واللعبة مستمرة
الأحزاب التي كانت تتنافس بالأمس على أصوات الناخبين ستتحول اليوم إلى التفاوض حول موازين القوى.
المرشح الذي كان يطرق الأبواب طالبا صوت المواطن، سيجد نفسه غدا أمام أبواب أخرى، وربما يحتاج إلى طرقها بطريقة مختلفة.
وفي المقابل، المواطن الذي سمع كثيرا من الوعود خلال الحملة، سيعود إلى حياته اليومية منتظرا أن تتحول الوعود الانتخابية من كلام انتخابي إلى أفعال يمكن قياسها.
وهنا تحديدا يبدأ الاختبار الحقيقي.
فالفوز في الانتخابات ليس نهاية القصة.
إنه بداية الحساب.
ومن حصل على مقعد، حصل معه أيضا على فاتورة سياسية مؤجلة… سيأتي يوم استحقاقها.
لكن كفى سياسة… الكرة الآن في ملعب الأسود
بعد كل هذا الضجيج السياسي، يحتاج المغاربة إلى تسعين دقيقة لا تتحدث فيها الأحزاب.
تسعين دقيقة لا توجد فيها أغلبية ومعارضة.
لا توجد فيها لوائح انتخابية.
لا توجد فيها وعود ولا برامج ولا شعارات.
هناك فقط منتخب وطني، خصم، كرة، مرمى، وحكم.
غدا الجمعة، يستقبل المنتخب المغربي نظيره الغابوني في الرباط، ضمن الجولة الأولى من تصفيات كأس أمم إفريقيا 2027، في الساعة السابعة مساء بتوقيت غرينتش. وتأتي المباراة ضمن المجموعة الأولى إلى جانب النيجر وليسوتو.
وهذه المرة، لا مجال للخطابة.
إما أن تدخل الكرة الشباك، أو لا تدخل.
لا توجد لغة خشبية تستطيع تغيير النتيجة.
ولا مؤتمر صحفي يستطيع إقناع الجمهور بأن التعادل كان “انتصارا استراتيجيا”.
ولا بلاغ حزبي يستطيع القول إن الفريق “حقق نتائج إيجابية رغم الصعوبات”.
في كرة القدم، لوحة النتائج لا تعرف المجاملة.
هنا لا تنفع الوعود
أسود الأطلس يدخلون مرحلة جديدة تحت قيادة المدرب محمد وهبي، في بداية طريق التصفيات المؤهلة إلى نهائيات كأس إفريقيا 2027 التي ستقام في كينيا وتنزانيا وأوغندا.
لكن البداية، كما يقول أهل الكرة، تحتاج إلى تركيز.
فالمنتخب الغابوني لن يأتي إلى الرباط لمشاهدة الملعب، والتقاط الصور، ثم العودة إلى بلاده.
سيأتي للعب.
والمغرب مطالب بأن يلعب أيضا.
ليس بالشعارات.
ليس بالتاريخ.
وليس بالأسماء.
بل بالأقدام.
مباراة البرلمان انتهت… لكن الحساب لم ينته
في السياسة، انتهت مباراة 23 شتنبر، لكن الحساب السياسي لم ينته.
وفي كرة القدم، تبدأ غدا مباراة جديدة، لكن حسابها أبسط:
ثلاث نقاط للفائز، نقطة لكل طرف في حال التعادل، وصفر لمن يخسر.
يا لها من بساطة جميلة!
ففي الملعب، لا أحد يسأل اللاعب عن برنامجه الانتخابي، ولا عن قدرته على تشكيل أغلبية، ولا عن عدد الأصوات التي حصل عليها في دائرته.
المطلوب فقط أن يركض، يمرر، يسدد، ويسجل.
ولذلك، ربما يكون توقيت مباراة المغرب والغابون مناسبا جدا.
فبعد أن تابع المغاربة طويلا مباراة المقاعد، حان وقت متابعة مباراة الأهداف.
وبعد أن انتهت مرحلة:
“صوتوا علينا…”
تبدأ مرحلة:
“أرونا ماذا تستطيعون أن تفعلوا.”
وفي البرلمان كما في الملعب، يبقى الجمهور هو صاحب الذاكرة الأطول.
فالناخب يتذكر.
والمشجع يتذكر.
والنتيجة… لا تنسى.
انتهت مباراة البرلمان… وحان موعد أسود الأطلس.